في «برنكبيا ماتيماتيكا» يلتحم المنطق مع الرياضيات تماما، في إطار نسق موحد يبدأ من حساب القضايا وينتقل إلى حساب الفئات ثم العلاقات، ويتدرج دون أدنى فجوة أو قطع إلى الحساب العددي منتقلا منه إلى بقية فروع الرياضيات كما نسقها المذهب الحسابي لفريجه في تسلسلها عن العدد الصحيح. نحن هنا لا نستطيع أن نقول أين انتهى المنطق وأين بدأت الرياضيات.
14
لذلك أصر فتجنشتين على أن المنطق بأسره جزء من الرياضيات. وأوضح رسل أن المنطق يأخذ من الفلسفة، بخلاف التطبيق والتفعيل في المجالات العقلية الواسعة، فقط البدايات والأسس والأصول والقواعد، ثم يتوغل في متاهات قاصرة على الرياضيات. ومع هذا، ما أن انضم المنطق إلى الأسرة الرياضية الأرستقراطية الجليلة، إلا وراح يثير غبار الشك على أفرادها الموقرين، وتكفي مبرهنة كورت جودل الشهيرة التي أثبتت عنصرا من اللااكتمال في الإنساق الرياضية. فهل لهذا كان المنطق - خصوصا في الثلث الأول من القرن العشرين - قوة هائلة تجذب الطلبة الواعدين من أقسام الرياضيات إلى أقسام الفلسفة؟
رأينا هذا يحدث لفتجنشتين، ويشبه ما حدث لبرتراند رسل نفسه. فقد التحق بجامعة كمبردج في أكتوبر 1890م واختار دراسة الرياضيات وحصل على إجازته فيها بعد ثلاث سنوات. رأى رسل أسلوب التدريس في كمبردج عقيما ومجرد حشد للأذهان بحيل بارعة تمثل إهانة لذكاء الطالب، حتى بدت الرياضيات بأسرها أمامه مثيرة للغثيان! يقول رسل:
لما انتهيت من آخر امتحاناتي في الرياضيات عند نهاية سنتي الثالثة في كمبردج، أقسمت ألا أنظر بعدها إلى الرياضيات، وبعت كل كتبي الرياضية، وفي هذه الحالة النفسية والعقلية واجهتني الفلسفة بكل البهجة التي يبتهج بها الهارب من نفق إلى واد مزدهر فسيح.
15
وأيضا الفيلسوف الكبير ألفرد نورث هوايتهد، أستاذ رسل ورفيقه في «برنكبيا ماتيماتيكا» وصاحب الرؤية العضوية العميقة للطبيعة في إطار فلسفة شاملة للعلم، كان هو الآخر أستاذ رياضيات بارزا في كمبردج ولندن، وانتقل من الرياضيات إلى أصولها إلى المنطق الرياضي والفلسفة المنطقية، ثم الفلسفة إجمالا حتى فلسفة الحضارة وفلسفة التربية، وسافر عام 1924م إلى جامعة هارفارد العريقة أستاذا للفلسفة بها ومكرسا لها بقية حياته، وهو لم يتلق دراسة نظامية في الفلسفة، ولا حصل على شهادة فيها.
تأثير المنطق كقوة جذب للعقول النابهة من رحاب الرياضيات إلى رحاب الفلسفة لا يقتصر على طبقة وايتهد ورسل وفتجنشتين، بل حدث كثيرا حتى كان مألوفا في ألمانيا - كما يخبرنا فون رايت - أن يهجر الطلبة النابهون أقسام الرياضة ذاهبين إلى الفلسفة بفعل سحر المنطق.
وفيما بعد خف هذا كثيرا، وكما أوضحت ثورة العلوم الرياضية في الفصل السابق، مثلت مبرهنة كورت جودل التي طرحت في أوائل الثلاثينيات منعطفا حادا في توجهات العقل الصوري. وبعدها فقد البحث في أصول الرياضيات كثيرا من سحره وجاذبيته، وفقدت الأحلام العظيمة للمنطقيين والصوريين والحدسيين بهاءها ورونقها، لكن بعد أن تخلف عنها هذا العلم المهيب: المنطق الرياضي الذي أجادت فلسفة القرن العشرين تشغيله واستثماره والاستفادة منه. ومن قبل ومن بعد، فإن المنطق الرياضي نهض على أكتافه عملاق القرن العشرين والقرون التالية - أي الكومبيوتر - في برمجياته أو جانبه المرن
Soft-Ware
وفي عتاده أو جانبه الصلب
hard-ware
على السواء.
وإذ يودعنا القرن العشرون، يبدو المنطق - كما يلاحظ فون رايت - وكأنه يلحق بمصير مباحث عديدة - بدءا من الفيزياء ووصولا إلى علم النفس - تنفصل عن الفلسفة وتصبح علوما مستقلة. فلم يعد المنطق الآن مرتبطا بالفلسفة كما كان طوال تاريخه، وبعد تطوراته المتتالية أصبح علما مستقلا ووثيق الصلة بالرياضيات وبعلوم أخرى استحدثت على مسرح القرن العشرين مثل علوم الكومبيوتر والدراسات المعرفية والسيبرناتيكا واللغويات العامة، وجميعها أصبحت مباحث تنحدر بشدة تجاه الرياضيات، إلا أن فون رايت يقول: