تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن «المنطق الحديث» هو «المنطق الرياضي» هو «المنطق الرمزي»، المصطلحات الثلاثة مترادفة، ويمكن أن نضيف إليها مرادفا رابعا طرحه في ذلك العام الحاسم 1900م لويس كوترا

L. Coutrat (1868-1914م) لتمييز المنطق الرمزي الحديث عن المنطق الأرسطي التقليدي، وهو مصطلح اللوجسطيقا

Logistic ، أو بلغته الفرنسية

Logistiqe ، وأعاد طرحه أليستون عام 1904م. وقد فند كواترا براهين سلفه شارل رينوفيه على امتناع اللامتناهي وقام بدوره في تطوير الرياضيات البحتة وفحص أصولها، وأيضا تطوير المنطق الرياضي أو اللوجسطيقا بمصطلحه.

وفي طليعة أولئك الرياضيين الفاحصين لأصول الرياضيات يتقدم الأيرلندي جورج بول

G. Boole (1815-1871م) الذي يعزى إليه الفضل في تأسيس المنطق الحديث. استفاد بول من أستاذه أغسطس دي مورجان

A. de Morgan (1806-1871م) الذي خصه بالرعاية والتشجيع. كان دي مورجان عالم رياضيات أيضا معنيا بتطبيق الأدوات الرياضية على المنطق التقليدي، وفي كتابه «المنطق الصوري 1847م» صاغ نظرية العلاقات لأول مرة في صورة رمزية، وعلم بول أن المنطق يمكنه استخدام أساليب الرياضة، وأن قوانين الجبر يمكن تعميمها بصرف النظر عن تفسيراتها الجزئية، فاستطاع بول أن يصل إلى جبر عام مجرد يتمثل في قوانين الفكر الأساسية، واستبعاد اللغة الجارية كوسيط غير دقيق والتعبير عن هذه القوانين بلغة رمزية دقيقة كلغة الحساب، وإقامة علم المنطق على هذا الأساس. هكذا تم تأسيس المنطق الرياضي بكتابي جورج بول «التحليل الرياضي للمنطق 1847م»، و«فحص قوانين الفكر 1854م». نلاحظ أن الأول صدر في نفس عام صدور كتاب أستاذه مورجان، فيمكن اعتبار هذا العام - 1847م - عام ميلاد المنطق الرياضي الرمزي الحديث.

استخدم بول ثلاثة أنواع من الرموز، أولا رموز لغوية مثل: «س» و«ص» و«ك» و«م» لتدل على مفاهيم وقضايا. ولكي يمكن استخدام هذه الرموز تبعا لقوانين تركيب معروفة تعطي نتائج متسقة، استخدم بول - ثانيا - رموزا أو علامات دالة على عمليات مثل +، −، ×، وثالثا علامة الهوية «=» التي اعتبرها بول علاقة أساسية،

4

وكما يقول الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه الرائد «المنطق الوضعي، الجزء الأول 1952م» ليست المسألة مجرد استعمال رموز من أحرف الهجاء أو غيرها لتحل محل الحدود والقضايا، وإلا لكانت لعبة صبيانية لا طائل وراءها يستحق اهتماما، بل إن جوهر المنطق الحديث هو تحويل القضية المنطقية إلى قضية شبيهة بمعادلات الجبر فتكتسب عمليات التفكير ما في الرياضة من صرامة ودقة وانضباط.

طبق بول جبره المنطقي على فروع المنطق وموضوعاته، بما في ذلك نظرية القياس الأرسطية، واتضح أنها مجرد حالة لمنطق الفئات. إن المنطق الرياضي يستوعب المنطق التقليدي في سياق أوسع وأرحب، والأهم أنه أدق وأكفأ. لا يعرف المنطق الأرسطي التقليدي إلا القضية الحملية «أ هي ب»، حيث تحمل «ب» على الموضوع «أ»، أما في المنطق الرياضي فثمة القضية اللزومية الشرطية، والقضية الانفصالية، والقضية العطفية، والقضية المنفية، والقضية التركيبية من هذا وذاك ... وينقسم المنطق الرياضي إلى ثلاثة مباحث رئيسية، وهي: حساب القضايا، وحساب الفئات، وحساب العلاقات. طبعا تعامل المنطق الأرسطي مع القضايا، وأيضا مع الفئات، أما العلاقات فهي الإنجاز المستجد تماما للمنطق الرياضي، والذي لم يعرفه المنطق التقليدي بحال، والواقع أن مبحث العلاقات هو الأسبق تاريخيا؛ إذ طرحه دي مورجان، وهو أيضا أخصب الإضافات وصاحب الأثر الأكبر في تصويب الأطروحات، في الفلسفة وفي الرياضة البحتة على السواء، وفي المعرفة الإنسانية بصفة عامة، لقد اتضح أخيرا أن القضية «أ» على علاقة ب «ب» مثلا «أ يماثل ب»، أو «أ يحب ب» لا تحمل طرفين هما «أ» و«ب» فحسب، بل ثمة طرف ثالث هو العلاقة بينهما، التماثل أو الحب أو أية علاقة أخرى. وإغفال العلاقة كطرف ثالث يكمن وراء كثير من الترديات في عمليات التفكير، والآن نجد المحصلة الواسعة لحساب العلاقات تبرز - أكثر من سواها - الأهمية الكبيرة التي ترتبت على ترييض المنطق. وكما أشار برتراند رسل - في كتابه «مقدمة للفلسفة الرياضية 1919م»، «ليست الرياضيات إلا أنماطا من العلاقات تتم معالجتها بالأسلوب الرمزي».

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٢٩