تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي إثر الإنجاز الرائد لجورج بول توالت جهود المناطقة لتطوير وتنقيح وتبسيط وإكمال المنطق الرياضي، في مقدمتهم تشارلز بيرس، وأيضا وليم ستانلي جيفونز

W. S. Jevons (1835-1882م) وجون فن

J. Venn

وسواهم. إنهم سالكون طريق جورج بول وأستاذه دي مورجان فيعملون على تطبيق الأدوات الرياضية على المنطق التقليدي، أي رد المنطق إلى الرياضيات، حتى خرج من بين أيديهم منطق رمزي يستقي أرومته من الرياضيات.

وكما أوضحنا، انطلقت هذه الجهود بصفة مبدئية من هاجس الفحص النقدي لأصول الرياضيات، التقت معها جهود أخرى سلكت الطريق المخالف لتصل إلى نفس المقصد، وبدلا من رد المنطق إلى الرياضة حاولوا العكس، أي رد الرياضيات إلى المنطق بغية تأمين أصولها. إنه الطريق الذي شقه جوتلوب فريجة

G. Frege (1848-1925م)، وجوزيب بيانو

G. Peano (1858-1932م) وواصله وايتهد وبرتراند رسل حتى أخرجا كتابهما الفذ «برنكبيا ماتيماتيكا»، أي «أصول الرياضيات» الذي يفصح عن الخاصة التحليلية للرياضيات، وعن أن المنطق صبا الرياضيات والرياضيات رجولة المنطق، كما سبق أن أوضحت ثورة العلوم الرياضية في الفصل السابق. وكان كتاب «برنكبيا ماتيماتيكا» علامة فارقة على نضج المنطق الحديث واستوائه على العرش. ويظل برتراند رسل أعظم الباحثين في - أو عن - أصول الرياضيات وأعظم المناطقة في القرن العشرين وفي تاريخ الفكر الإنساني برمته.

وكان عالم الرياضيات البحتة ديفيد هيلبرت

D. Hilbert (1862-1943م) يبحث أصول الرياضيات من اتجاه آخر هو الاتجاه الصوري أو الشكلي

Formalism

الذي يذهب إلى أن قضايا الرياضة صيغ متفق على معاني رموزها دون أن يكون لها مدلولات خارجية، بمعية الاتفاق على قواعد متى راعيناها فقد ضمنا بلوغ اليقين والضرورة. فانصب منظور هيلبرت على المفاهيم والتصورات الرياضية والتحسيب الصوري لها على أساس نسق من البديهيات يتوافر فيها الاتساق والكفاية والاستقلال وخصائص الاكتمال الأخرى التي تتحدد في مبحث ما بعد الرياضيات

Meta-Mathematics . يرى فون رايت أن مشروع هيلبرت هو بشكل ما إحياء لمشروع ليبنتز في القرن السابع عشر، الذي كان يطمح إلى وضع لغة رمزية عالمية يتحد الناس جميعا في استعمالها بصرف النظر عن لغاتهم الطبيعية، تماما كالرياضيات، وتشكل حروفها أبجدية الفكر البشري، فيناظر كل حرف مفهوما أوليا بسيطا، وعن طريق قواعد التركيب نشكل من هذه المفاهيم البسيطة مفاهيم مركبة. وأشار ليبنتز صراحة إلى أن فن التركيب هذا حساب عقلي كالجبر تماما. هكذا تصور الفكرة الأساسية للمنطق الرياضي، ولكنه لم ينجز مشروعه هذا ولم يفطن إلى أهمية العلاقات ولم يتحرر أصلا من إعجابه بأرسطو. يظل ليبنتز مجرد مبشر، أو هو المبشر الأول، تبعه في القرن الثامن عشر مبشرون آخرون من علماء الرياضيات المعنيين بالمنطق أهمهم ليونارد أويلر

L. Euler ، ويوهان لامبرت

J. Lamber ، وبرنار بولزانو

B. Bolzano ، حتى كانت نشأة المنطق الرياضي المهيأة للنضج والنماء في القرن التالي كما رأينا.

الاتجاه الثالث نحو أصول الرياضيات هو الاتجاه العقلي الحدس المثالي، الذي يرى أن الحدس

intuition ، أي الإدراك الفوري المباشر هو الطريق لإدراك حقائق الرياضيات وأسسها. وهذا اتجاه قديم منذ أفلاطون حتى ديكارت وكانط. وحين أثيرت مشكلة أصول الرياضيات بعث مجددا على يد الهولندي لويتسجن بروور

L. E. Brouwer (1881-1966م)، وأيضا أرند هايتنج

A. Heyting . أنكر الحدسيون أن يكون المنطق قادرا على تأسيس أصول الرياضيات، وعرضوا قوانين التفكير الأساسية لمنظار النقد، وأثاروا الشك في قانون الثالث المرفوع أو الوسط الممتنع، أي «الشيء إما أ أو لا أ، ولا ثالث أو وسط». لقد اختلفت رؤيتهم لدور المنطق عن رؤية فريجة ورسل والمدرسة المنطقية في أصول الرياضيات، واختلفت أيضا عن رؤية ديفيد هيلبرت والمدرسة الصورية، وكان النقاش حادا بين الحدسيين والصوريين.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٣٠