تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما رأينا في الانتقال «من العلم القديم إلى العلم الحديث» (الجزء الخامس من الفصل الأول) اقترنت حركة العلم الحديث بالثورة على المنطق الأرسطي وقياساته العقيمة، وسلك الطريق المضاد تماما وهو طريق الاستقراء التجريبي. فلا يدهشنا أن المنطق الصوري منذ النصف الثاني من القرن الرابع عشر يدخل في مرحلة بيات شتوي طويل استمرت خمسمائة عام، وهي المرحلة التي تصدرها المنهج الاستقرائي كتعبير عن روح العلم وروح العصر ساد فيها الظن بأن المنطق غير ذي نفع كبير ما دام لا يصلح لاكتشاف الطبيعة المتأججة وتنحصر معاملاته في الصحائف والأوراق، وأنه بحكم طبيعته لا يقبل تطويرا، بل إنه عائق دون استقبال العصر الحديث والعالم الحديث. هيمنت الروح التجريبية بوصفها روح العصر ومنهج البحث، وتراجع المنطق إلى زوايا الإهمال والجمود لما يقرب من خمسمائة عام.

حتى كانت الانبثاقة الكبرى للمنطق الحديث في منتصف القرن التاسع عشر، فلماذا حدثت؟ وكيف جعلت المنطق الحديث رياضيا؟

نلاحظ أنه يغلب على الباحثين تتبع نشأة المنطق الحديث في سياق منطقي خالص، وجهود مناطقة كبار في إنجلترا أمثال ريتشارد ويتلي

R. Whately (1787-1863م)، ووليم هاملتون

W. Hamilton (1788-1856م) حاولوا - من داخل حدود المنطق الأرسطي - إخراجه من زوايا النسيان وبعث الحياة والدماء فيه وتطويره وتجديده. ثم يأتي جورج هنريك فون رايت، وهو من كبار أساتذة المنطق في القرن العشرين، مارس تدريسه وتطويره لما يربو على ستين عاما من هذا القرن، وارتبط بعلاقات حميمة مع كبار المناطقة فيه، يسهب فون رايت في إيضاح أن المنطق الحديث جاء في منتصف القرن التاسع عشر كنتيجة لنشأة الرياضيات البحتة من جانب وتطور الرياضيات التطبيقية كأداة للعلم من جانب آخر، مما جعل السؤال عن الفحص النقدي لأصول الرياضيات والأسس التي تستند عليها سؤالا ملحا. ومن خلال الجهود المبذولة للإجابة على هذا السؤال كانت نشأة ونماء المنطق الرياضي الحديث،

3

وعلى هذا نستطيع أن نربط تماما بينه وبين فلسفة العلم.

أجل، كانت نشأة المنطق الرياضي الحديث مساوقة تماما لنشأة فلسفة العلم، في نفس الزمان والمكان ولنفس العوامل والمبررات والأهداف، تقنين أسس العلم الحديث وفحصها فحصا نقديا، فلا غرو أن يتكامل المنطق الرياضي مع فلسفة العلم ويتآزرا في القرن العشرين حتى كادت تلحق به من منظورات ذات اعتبار، خصوصا حين كانت فلسفة العلم مستغرقة في سؤال المنهج، فقيل: إن المنطق صوري كما ذكرنا، وفلسفة العلم هي مناهج البحث هي المنطق المادي أو المنطق التجريبي، وما زالت كثير من الجهات الأكاديمية تعتبر المنطق وفلسفة العلم تخصصا واحدا، أو على الأقل متصلا، فهكذا كانا منذ بواكير النشأة.

في ذلك الأوان - منتصف القرن التاسع عشر - بلغ العلم الحديث درجة عالية من النضج والنماء؛ ليغدو من الممكن تأمل أسسه وتقنينها وفحصها فحصا نقديا. من أجل هذا كانت المناظرة بين وليم هيوول وجون ستيوارت مل التي أسفرت عن صياغة النزعة الاستقرائية كتقنين للأساس التجريبي للعلم. بيد أن العلم الحديث لم يكن تجريبا فقط، بل تجريبا مسلحا بلغة دقيقة وأداة فعالة لرسم الصورة الحديثة للكون وهي الرياضيات، فكان لا بد من فحص وتقنين أسس وأصول الرياضيات أيضا. وفي هذا انتهت النزعة الاستقرائية إلى أنها مثل أي علم آخر تعميمات استقرائية، وتتمتع باليقين لسعة مجالها وكثرة الوقائع الشاهدة على صدقها، كثرة ما لاحظته حواسنا من أن اقتران 1 و1 - مثلا - ينتج عنه دائما 2. ونظرا لطبيعة الرياضيات كعلم صوري غير مستقى من الواقع التجريبي ولا متكفل بشأنه، فإن هذه الإجابة التجريبية المتطرفة لم تقنع علماء الرياضيات، ونهض فريق منهم لفحص أصول الرياضيات من الطريق المخالف لهذه الاستقرائية، أي طريق التعقل المنطقي الخالص. ومن أجل هذا انكبوا بأدواتهم الرياضية على دراسة علم قوانين الفكر الأساسية، أي علم المنطق. ولما كان أميز ما يميز الرياضيات أنها لغة رمزية خالصة كانت بحوثهم وفحوصهم علة لترميز المنطق وجعله هو الآخر لغة رمزية خالصة كالرياضيات.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٢٨