تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمحصلة أن تبخر اليقين من عالم العلم، حتى شاع القول الدارج: إن العلماء ليسوا على يقين من أي شيء، ويكفي أن العوام على يقين من كل شيء. وتبقى أبرز معالم إبستمولوجيا القرن العشرين أنها انتهت إلى أن أي قضية إخبارية، بما هي إخبارية، تظل احتمالية، اليقين فقط في القضايا التحليلية الفارغة من أي مضمون، كقضايا المنطق والرياضيات، وحتى اليقين الرياضي اتضح أن أمره ليس بسيطا ومحسوما كما كان يظن، ولكن نتفق على أن صياغة القوانين العلمية في لغة رياضية لن تعني حتمية أو لا حتمية؛ لأن الرياضيات في حد ذاتها محايدة، محض رموز نعبر بها عن أي مرموز إليه، ونملؤها بالمضمون التطبيقي، سواء افترضناه حتميا أو لا حتميا.

ومع تقدم فيزياء القرن العشرين المتوالي في طريقها اللاميكانيكي اللاعلي الإحصائي الاحتمالي، امتدت اللاحتمية إلى فروع العلم الأخرى. وإذا كانت نظرية دارون قد جلبت ظاهرة الحياة تحت مظلة الحتمية، فإن البيولوجيا في القرن العشرين قد انتهت إلى خطأ افتراض دارون القائل: إن الصفات المكتسبة تنتقل وراثيا. وعن طريق الاسترشاد باللاحتمية أمكن تفسير التغيير الوراثي تفسيرا مبنيا على الإثبات التجريبي للتحولات - أي للتغيرات في المادة الوراثية وأنها تتم بفعل أسباب عشوائية - فيترك الأمر لقوانين الاحتمال التي تؤدي بمضي الوقت وببطء إلى أشكال من الحياة نزداد علوا بالتدريج. ومن ناحية أخرى، تقدم العالم البريطاني جبرييل دوفر

G. Dover

من جامعة كمبردج في الثمانينيات بفرض يطرح مبدأ الصدفة التي تحكم الطفرات الوراثية.

تمسك كلود برنار في القرن التاسع عشر بمبدأ الحتمية لكي تلتحم العلوم البيولوجية بالعلوم الفيزيوكيمائية، ومن أجل هذا الالتحام في القرن العشرين تقدم البيولوجي الفرنسي مونو (1910-1976م) الحاصل على جائزة نوبل بنظرة لا حتمية تستوعب أبعاد الكوانتم والنسبية ومحصلات ثورتيهما، ويخرج منها بأن العالم الحي لم يظهر البتة بصورة ميكانيكية، بل هو ظاهرة فريدة ولا تنبئية، لكن يمكن تماما تفسيرها على أساس الإبستمولوجيا العلمية اللاحتمية، وقبل أن يثبت خصوبة هذا الفرض ينبهنا إلى قسوة اللاحتمية البيولوجية؛ لأننا نريد لوجودنا أن يكون ضروريا وحتميا ومرادا منذ أول الخلق. والعلم البيولوجي الحتمي استمرار لجهد البشرية الدائب والبطولي في سبيل قلب احتمال وجودها إلى ضرورة.

65

إن خصائص الكائنات الحية لا تنتهك طبعا القوانين الفيزيوكيمائية، لكنها غير قابلة للاستنتاج منها أو الرد إليها كما رأى الكلاسيكيون. ثمة عنصر لا حتمي كايوسي في بنى الكائنات الحية. لقد انهارت الحتمية الميكانيكية في المادة الجامدة التي اتضح أنها أكثر دهاء وتعقيدا، فما بالنا بالمادة الحية؟! الحق أن مبدأ اللاحتمية بترابطاته الإحصائية يفرض نفسه على البيولوجيا أكثر من أي علم آخر.

أما في العلوم الإنسانية فقد وصل المد اللاحتمي إلى حد ثورة مناظرة لثورة الفيزياء - وإن تأخرت عنها نصف قرن وأتت في أواسط الخمسينيات - نتيجة لتطور العلوم الإحصائية، ولكي تنشئ نوعا جديدا من المرونة الفكرية وامتدادا لاستراتيجيات بحث الظواهر النفسية. إنه علم النفس المعرفي

Cognitive Psychology

الذي يدرس الاختيار والحرية والإرادة، وهي ظواهر أسرف علم النفس التحليلي والسلوكي على السواء في إلغائها انسياقا وراء الحتمية العلمية الشاملة . أما علم النفس المعرفي فهو طريق ثالث، لكن يستوعب إيجابيات السلوكية بإمبيريقياتها الفعالة في إجراء وضبط التجارب والقياسات والاختبارات السيكوميترية والجداول الإحصائية، ثم يتجاوز قصوراتها وتسطيحها للظاهرة النفسية؛ ليصوب الانتباه على الطريقة التي يفكر بها الناس وعلى معرفتهم وتصوراتهم كمحددات أساسية للشعور والفعل والسلوك، وهذا ما أغفلته السلوكية امتثالا للإبستمولوجيا الكلاسيكية الميكانيكية. إن الناس يختارون الكثير من معارفهم ومداركهم. نحن لا نشاهد كل وقائع الرؤية ولا نسمع كل وقائع الصوت، الانتباه انتقائي إلى حد كبير مما يجعل وقائع معينة دون غيرها تدخل حيز الإدراك، وليس من الضروري أن تكون هي الأقوى في إثارتها للأعصاب الحسية، فالبرنامج المعرفي للشخص أقوى في توجيه الانتقاء في الانتباه. اللغة أيضا تخضع لهذا الاختيار الانتقائي في اكتسابها وفي استخدامها، وبفضل الجهود الدءوبة لرواد - نخص منهم بالذكر أولريك نايسر وجيروم برونر وريتشارد لازاروس - تبلور علم النفس المعرفي خلال الستينيات وشق طريقه الواعد مستفيدا من إيجابيات للعلم في القرن العشرين، وأيضا تقاناته، خصوصا نظريات الذكاء الاصطناعي وأنظمة الكومبيوتر كمناظرة تخطيطية لفهم أنظمة الذكاء الطبيعي أو العقل الإنساني في حل المشكلات.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١١٦