وأيضا لم يعد علم الاجتماع في القرن العشرين أسيرا للحتمية الميكانيكية التي حكمت منظور أوجست كونت الوضعي في القرن التاسع عشر ظهرت مدارس عدة تستوعبها وتتجاوزها، وتبدي مزيدا من الفعالية والكفاءة في دراسة الظواهر الاجتماعية ودراسة العنصر الكايوسي فيها. ولم يدحض الواقع قضية مثلما دحض الزعم الفاسد بحتمية التاريخ. والواقع أن الحتمية التاريخية في أصلها - كما أوضح كارل بوبر - حيلة أيديولوجية للصهيونية: حتمية تحقق وعد الله وعودة شعب الله المختار إلى أرض الميعاد، وأصبحت هكذا للشيوعية والنازية والفاشية، تخلى عنها جمهرة المؤرخين في القرن العشرين الباحثين عن منظور علمي للتاريخ، لدرجة أن المؤرخين الألمانيين إدوارد ماير وماكس فيبر قاما بدراسة جادة للاحتمال الموضوعي في التاريخ، أي تصور ما كان يمكن أن يحدث في الماضي، وهذا تصور علمي يعين على فهم أعمق للحاضر.
66
إن هناك نهاية مفتوحة للتاريخ تفرض دائما نظرة لا حتمية.
ولا يذكر التاريخ من دون الجغرافيا، وهي علم علاقة الإنسان ببيئته، النظرة الحتمية التي تدين للإبستمولوجيا الكلاسيكية ترى المسألة نتاجا آليا للعوامل البيئية، أما النظرة اللاحتمية في القرن العشرين فتنطلق من أن العامل البشري أكثر حسما. مراكز الصناعة مثلا لا تعتمد على العوامل البيئية قدر اعتمادها على العوامل البشرية، وهناك بيئات متشابهة طبيعيا لكنها مختلفة بشريا، مثلا يختلف سكان خط الاستواء في إفريقيا عنهم في جزر جنوب آسيا. وظهرت لا حتمية صريحة في جغرافيا القرن العشرين صاغتها بقوة «مدرسة الإمكانات
Possibilism »، وهذا مصطلح قدمه لوسيان فيفر
L. Febvre
في كتابه «مقدمة جغرافية للتاريخ» تعبيرا عن الاتجاه الذي أسسه أستاذهفيدال دو لابلاش
V. D. La Blache (1845-1918م) مؤكدا على تحالف الإنسان مع عوامل البيئة، وكان تلميذه فيفر متطرفا في تأكيده على دور الإنسان. مدرسة الإمكانات بجملتها تنطلق من أنه لا توجد في الطبيعة ضرورات أو حتميات، بل توجد إمكانات تنتظر فعالية الإنسان. ولما كانت الجغرافيا علما إنسانيا اتضح لماذا تكون اللاحتمية هي الأنسب لها. وقد بلغت اللاحتمية في الجغرافيا ذروتها بنشأة علم «الجغرافيا الإرادية»، وهي مبحث مستقبلي يقوم على معلومات تتقاطع فيها تحليلات الاجتماع والاقتصاد والسياسة لتكتمل معطيات المواجهة بين الإنسان والبيئة، وتوضع بين أيدي فريق عمل مزود بأدوات تمكنه من التنبؤ بوجوه التطور ونتائجه، ويسهم في إمداد اختيارات واسعة لمصلحة الحريات الجديدة، حرية العمل وحرية الراحة وحرية شغل أوقات الفراغ.
67
إن المنظور اللاحتمي عم فروع العلوم الإنسانية هي الأخرى، وساد مجمل عالم العلم في القرن العشرين، إيذانا بالتقدم المتسارع وأفقه المفتوح في هذا القرن المتوهج.
هكذا لم يكن الانقلاب الإبستمولوجي في القرن العشرين عميقا فحسب، بل أيضا شاملا بقدر ما كان مثمرا. على أن انهيار الأسس الإبستمولوجية التي ارتكن إليها العلم الكلاسيكي وتأكد نجاحها يوما بعد يوم، قد خلق أزمة أضنت العلماء في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين قبل أن تنحسم الأمور. هكذا عادت التساؤلات الفلسفية تلح من جديد في الأفق العلمي، وهذا بدوره بعث قوة دافقة في أعطاف فلسفة العلم، جعلتها أبرز فروع الفلسفة في القرن العشرين. قبيل نشأة فلسفة العلم ساد الاعتقاد بأن الانفصال أصبح نهائيا بين التفكير الفلسفي والتفكير العلمي، وحتى مشارف القرن العشرين نجد علماء أمثال دالتون ورذرفورد ومندليف يتصورون أن العالم عالم بقدر ما لا ينشغل البتة بأية تساؤلات فلسفية. ثم جاءت ثورة الفيزياء الكبرى لتطيح بالأسس التي كانت ثابتة، وتطرح منظورات جديدة لا تستغني عن المعالجات الفلسفية، وتجعل الإبستمولوجيا سؤالا ملحا. وشهد القرن العشرون مجددا فئة متميزة هي فئة العالم/الفيلسوف، مثل ألبرت آينشتين وإرنست ماخ وهنري بوانكاريه وفيرنر هيزنبرج وآرثر إدنجتون وموريتس شليك وجيمس جينز وآرثر هولي كومبتون ... إلخ. وفي كل حال لم تعد الإبستمولوجيا واضحة قاطعة كما كانت في العصر الكلاسيكي، بل هي كيان أكثر عمقا، ملبدا بالتساؤلات الفلسفية، فتظل الفلسفة دائما الأفق الضروري للعقل الإنساني في حركيته المتوثبة.