كان البحث عن قوانين وعلاقات رياضية لا تتغير بالنسبة لجميع الراصدين، لجميع الذوات العارفة أيا كان الموضع والموقع، هو صميم مهمة العلم، حتى جاء آينشتين ليجعل موقع الراصد وسرعته معينات أساسية للطبيعة،
63
فكان دخول الذات العارفة كمتغير في معادلة الطبيعة واحدة من أخطر النتائج الإبستمولوجية للنظرية النسبية كما أشرنا. إن الراصدين الذين يلاحظون من كواكب مختلفة أو مجرات مختلفة يدرك كل منهم سماء مختلفة، ويتحكم تأثير السماء في ساعاتهم - بمعنى أجهزتهم للرصد - بحيث إن الوقت الذي يقرأه كل منهم يختلف في اللحظة الواحدة، وكل منهم يقدر مرور الزمن تبعا لسرعة مختلفة، فارتبطت الملاحظة بالملاحظ - بالذات العارفة - بموقع الملاحظ وحركته، قد يكون موقع الملاحظ بالنسبة لنا هو الأرض في كل الأحوال، لكن الملاحظ المرتبط بالأرض لا يستطيع أن يجري الأقيسة الفلكية نفسها التي يجريها الملاحظ المرتبط بكوكب آخر، والنسبية تدرس كيف تؤثر حركتا هذين الملاحظين النسبية في ملاحظاتهما،
64
ولم يتيسر هذا إلا بعد تقدم ملحوظ في الرياضيات ساعد على الترجمة المتبادلة للمظاهر التي تبدو لملاحظين مختلفين، وهي الترجمة التي تبلغ حدا عظيما من الصعوبة شاعت عن النظرية النسبية.
وكما رأينا، في هذا الإطار ظهر التآني، أي استحالة الحكم بأن حدثا وقع قبل أو بعد الآخر، فثمة أنظمة زمانية مختلفة، حتى إنه يمكن أن يكون الزمن قابلا للارتداد، للرجوع إلى الوراء. هكذا قوضت النسبية مفاهيم الاطراد والتسلسل الزماني المتعاقب، الضروري لمفهوم العلية ليجعل الحدث السابق علة واللاحق معلولا، بالإضافة إلى أن جاذبية نيوتن «التثاقل» التي تعد التمثيل العيني للعلية قد حل محلها تحدب الكون، لقد اهتزت العلية الكونية، واهتز تسلسل الأحداث العلي في اتجاه واحد من مطلق الماضي إلى مطلق المستقبل، وكل ما على العالم أن يلاحظها بموضوعية مطلقة وكأنه يراقبها من وراء ستار، فلا يتدخل إطلاقا، دوره سلبي لا يؤثر البتة في نتيجة استقراء الظاهرة: القانون العلمي الذي هو اكتشاف لحقيقة الظاهرة.
لقد أثيرت مشكلة الاستقراء حين كشفت التحليلات الفلسفية والمنطقية، منذ أيام هيوم، عن استحالة تبرير مبدأ العلية واطراد الطبيعة، وما أضافته ثورة الفيزياء الكبرى هو أنه ليس ثمة حاجة إليهما، إن الكوانتم جعلت الفيزيائي في القرن العشرين لا ينشغل بالعلية، بل بالقوانين الإحصائية، يحصر همه في الارتباطات والعلاقات والتأثيرات والتفسيرات، وليس التعليلات، يعمل بالآلات الدقيقة في معمله ليكشف قوانين انتظام الطبيعة، ولا يعوزه البتة مفهوم الاطراد الحتمي؛ لأنه يعلم جيدا حدود الدقة المتاحة ويدرك صعوبة أن يجعل الظاهرة تكرر نفسها تماما، إلا داخل حدود من اللاتعين - بعد أن لفت هيزنبرج الأنظار إلى تأثير الأجهزة المعملية في الظواهر المرصودة - فلا يبحث عن اطراد الطبيعة، ويكفيه انتظامها القائم على أساس إحصائي لا علي ليبحث عن احتمالية الظاهرة - أي ترددها بنسبة مئوية معينة مستمدة من ترددات لوحظت في الماضي - ويفترض أنها سوف تسري تقريبا في المستقبل.
هكذا تبرأت الإبستمولوجيا العلمية من مبدأ العلية الكونية واطراد الطبيعة ودورانهما المنطقي الشهير. ربما ظل مبدأ العلية هاديا للعقل حين التفكير في هذه الزاوية أو تلك، لكنه بالتأكيد لم يعد أساس الإبستمولوجيا العلمية كما كان في الفيزياء الكلاسيكية، خصوصا بعد دخول المصادفة في بنية الطبيعة. لقد ارتدت المصادفة ثوبا قشيبا، وتخلصت من أدران جائرة لحقت بها في عصور يقين العلم الحتمي الذي كان يفسر المصادفة والاحتمال تفسيرا ذاتيا، أي كان يرجعه إلى جهل الذات العارفة وعجزها عن الإحاطة بعلل الظاهرة. علمتنا الميكانيا الموجية ومعادلات إيرفين شرودنجر أن المصادفة والاحتمال تفسيران لصميم طبيعة الظاهرة موضوع الدراسة، لقد أصبح الاحتمال موضوعيا.