تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

61

ولا شك أن الحتمية تحظى بقبول سيكولوجي، تريح الإنسان حين تخبره أنه يعيش في عالم كل ما فيه ضروري، بيد أنها راحة قد أصبحت حراما في عالم العلم، فلا يبحث عنها العالم ولا يسترشد بهديها، ولا بد دوما من النقد والاختبار ومواصلة طريق التقدم.

ورب قائل: حتى يومنا هذا ربما يدافع عالم عن الحتمية! الواقع أنه يدافع عنها مثلما يدافع عن أي قضية تروقه، لكنها خرجت من إبستمولوجيا ولن تعد الفيزياء رهينة النظام الحتمي بحال. وبعد ثورة الكوانتم الثانية ومبدأ اللاتعين لهيزنرج انتقل الفيزيائيون من لا مبالاة تجاه الحتمية إلى جهود موجهة بتعمد من أجل الخلاص النهائي منها، فلم يعد الأمر عجزا عن إثبات صدقها، بل بالأحرى لقد اكتشفنا أنها استندت إلى مبررات كاذبة أو زائفة.

وتطور الأمر على مدار القرن العشرين، فأصبح لدينا الكومبيوتر، كل شهر كومبيوتر أفضل، وهذا الجهاز يمكنه أن يقوم بدور العقل الذي افترضه لابلاس في صياغته الشهيرة لمبدأ الحتمية، العقل الفائق الذي يستطيع التنبؤ بحالة الكون في أية لحظة إذا ما أعطي حالته الراهنة بكل تفاصيل شروطها المبدئية، ولكن من المستحيل أن تعين بدقة فائقة كل الشروط المبدئية المرادة، ولا يمكن التنبؤ بتفاصيل موضع وحركة كل جزيء في أي نظام مركب، في فقاعة من الهواء، ودع عنك الكون بأسره، فهنالك كثرة لا نهائية من المكونات ومن المتغيرات. واتضحت خاصة مميزة هي عنصر من عدم القابلية للتنبؤ في التطورات اللاحقة للنظام الفيزيائي. هذه الخاصة المميزة أو العنصر اللاتنبئي يسمى بالنسق الكايوسي

System Chaotic ، والأنساق الكايوسية كائنة في كل مكان من عالمنا الفيزيقي،

62

وتقدم الكايوس (= علم الشواش) وهو علم يبحث كيفية دراسة الآثار المتراتبة بعيدة المدى لتغير أولي يبدو بسيطا، يتراكم ويتضخم بفعل العلاقات المتبادلة بين كثرة لا نهائية من العوامل والمكونات في النظم المركبة. والمثال النمطي على هذا هو إمكان الربط بين فراشة ترفرف بجناحيها في الصين وعاصفة تهب في المحيط الهادي عن طريق تراكم وتضخم آثار هذه الرفرفة في نظام الطقس بمكوناته العدة. (الكايوس

Chaos

كلمة إغريقية تعني الفوضى والعماء)، وأصبح الكايوس أو علم الشواش في العقدين الأخيرين موضوعا مهما يتكاتف في بحثه فيزيائيون ورياضيون ومناطقة، فهل نتحدث بعد ذلك عن حتمية علمية؟!

وبخلاف النسق الكايوسي اللاتنبئي، علمتنا الكوانتم أن التنبؤات الناجحة ذاتها لا تعني حتمية شاملة، وأن الارتباط اللزومي بين حدث وآخر لا يعني أن ذلك الحدث، وكل الأحداث، محتومة سلفا، وكان الإحباط العنيد لكل الجهود التي تحاول إدخال عالم الذرة والإشعاع في قلب التصور الحتمي إيماءة قوية لضرورة تبديل هذا التصور الذي يهدف إلى مثال زائف، هو مثال الوصف الكامل للعالم، فقد اتضح أن العالم ليس البتة نظاما مغلقا كما تفترض الحتمية، ولا هو نظام ميكانيكي.

هكذا، بعد أن كانت العقول تتصور اللاحتمية بوصفها قرينة الجهل والظلام واللاعلمية تبدل وضعها وارتفع لواؤها في إبستمولوجيا القرن العشرين، نفيا للحتمية؛ لأن تكون كل الأحداث محددة سلفا بدقة مطلقة في كل تفاصيلها المتناهية في الكبر أو في الصغر. في المنظور اللاحتمي المنفتح، الأرحب والأكثر دهاء وعمقا، ثمة عوامل عدة تؤدي علاقاتها ببعضها إلى احتمالات عدة ممكنة، لم يعد حدوث الحدث ضروريا، ولا سواه مستحيلا يهدم العلم والعالم، العالم اللاحتمي يستوعب الأنساق الكايوسية ويظل منتظما ومعقولا، تخضع وقائعه للقوانين العلمية، لكن في إطار تعاقب الأحداث الاحتمالي وليس الحتمي. حل الترابط الإحصائي محل الترابط العلي الضروري، وأصبح التنبؤ العلمي أفضل الترجيحات بما سوف يحدث وليس كشفا عن القدر المحتوم، فانقطعت كل همزة وصل بين العلم والجبرية العتيقة، بعد أن تكفل في مراهقته الحتمية بمواصلة مسيرتها، إنه زيف اليقين الذي انكشف كما انكشف زيف المطلق، فاختفى المثل الأعلى للعالم العالم بالحقيقة المطلقة، حينما اختفى المثل الأعلى للعالم الذي يسير كما تدور الساعة المضبوطة.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١١٤