تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد شيدت النظرية النسبية عالمها الرباعي الأبعاد،

60

بمتصله الزماني/المكاني. إنه عالم أو بالأحرى تصور لعالم، محدب يختلف بل يتناقض مع عالمنا المستوي الواحد والوحيد المعهود في تجربة الحس المشترك، والذي ثبتته في أذهاننا خبرتنا العادية السطحية وحواسنا الفجة الغليظة، وجاءت نظرية نيوتن لتصدق على هذا العالم وعلى حدوده وتجعلها حدودا لها، فتكتسب بهذا يقينا فوق يقين! يقينا مطلقا، ثم علمتنا النسبية أنه لا شيء مطلق في عالم الإنسان، وليس ثمة تساؤل حول التصور الوحيد المطلق للزمان والمكان، فثمة إطار زماني/مكاني لملاحظي الأرض، وآخر لملاحظي الأفلاك السماوية، وآخر لملاحظي السدم، وبالمثل الطول والعرض وكل الأبعاد. لقد أحدثت النسبية تغييرا جذريا في أفكارنا حول المكان والزمان والجاذبية، وثورة في الكوزمولوجيا - أي نظرية تصور الكون - الكلاسيكية، فكان تأثيرها بالغ العمق في المبادئ الإبستمولوجية الراسخة في تجربة الحس المشترك، والتي كستها النيوتنية برداء الفيزياء الرياضية المهيب.

في عالم النسبية تدخل الذات العارفة - كمتغير في معادلة الطبيعة؛ لتحرز بهذا درجة أعلى من الموضوعية، أو بالأحرى درجة مباينة تماما، قامت على أنقاض موضوعية نيوتن المطلقة والموهومة، في خضم هذه الأطلال الدوارس أضحى التصور الميكانيكي للكون أثرا بعد عين، واستبينت تفاهة الواحدية المادية التي عززها. لم تعد المادة مجرد كتل تصطدم بها القدم حين تتعثر في الطريق، ولم يعد يجدينا البتة التفكير فيها على أنها شيء صلب جامد تشعر بها حاستنا اللمسية كمقاومة لها. كانت النظرة الميكانيكية تعتمد على هذا المفهوم للمادة، والآن يجب هجرانه نهائيا لكي نحقق الحد الأدنى من تفهم مغزى الفيزياء في القرن العشرين، حيث تحولت المادة إلى كيان أكثر شفافية من أي كيان تحدث عنه الروحانيون، إنها شعاع من مركز. وكما أشرنا، تبلورت الكوانتم والنسبية حول الشعاع وحلت أمواجه محل كتل المادة في الفيزياء الكلاسيكية.

هكذا نجد ثورة الكوانتم والنسبية التي تعززت بتطور الرياضيات، قد أقامت العلوم الإخبارية على أسس ومنطلقات مختلفة، قلبت رأسا على عقب عناصر إبستمولوجية راسخة كالحتمية والميكانيكية والعلية واطراد الطبيعة وثبوت ويقين قوانينها، والضرورة لكليهما - للطبيعة وقوانينها - والموضوعية المطلقة وكتل المادة المتحركة في مكان مستو من مطلق الماضي إلى مطلق المستقبل ... هذه المبادئ التي لم يكن أحد في المجتمع العلمي يجرؤ على رفضها فضلا عن قلبها، بحيث أصبح لدينا الآن حد فاصل بين إبستمولوجيا العلم الكلاسيكي وإبستمولوجيا العلم في القرن العشرين.

وإذا كانت الأولى يعبر عنها مبدأ الحتمية الميكانيكية، فإن الثانية يمكن أن يعبر عنها النقيض تماما، أي مبدأ اللاحتمية

Indeterminism

الذي رفعته الكوانتم جهارا نهارا. أما النسبية فإنها في حد ذاتها لا تنفي الحتمية ولا تؤكدها، لكنها تكفلت بتقويض الإطار الأنطولوجي للحتمية - أي التصور الميكانيكي للكون - الذي سارت في أطره العلوم الحيوية والإنسانية أيضا، كما رأينا في الفصل الثاني.

كان العلم الكلاسيكي مراهقا يشق طريق النمو والنضج، وفي حاجة إلى راع وجده في مبدأ الحتمية، لكن المبدأ أدى دوره واستنفد مقتضياته وتكشفت قصوراته ووصل إلى طريق مسدود، أصبحت مسلماته لا يقبلها العقل العلمي، فوجب تجاوزه لاستيعاب المرحلة الأعلى من التقدم العلمي التي يمثلها القرن العشرون.

في العقود الأولى قوبل انهيار الحتمية الكونية بالتوجس والارتياب. تصور البعض أن هذا يجعل الفوضى تعم عالم العلم، وكان آينشتين نفسه من غير المحبذين للاحتمية، بتعبيره الشهير: الله لا يلعب النرد في الكون، فسمع كارل بوبر فيزيائيين شبانا لامعين يصفون آينشتين - وكان لا يزال يعمل بجد - بأنه في رفضه للاحتمية إنما يقف ضد الطوفان، وهذا، كما يقول دي بروي، نتيجة لعادات فكرية متأصلة؛ لأن الفيزيائيين الشبان - آنذاك - الذين تعودوا منذ بداية دراستهم على النظر إلى الأشياء بمنظار الفيزياء الجديدة كانوا لا يقابلون من الصعاب في التخلي عن مبدأ الحتمية قدر ما يقابل الأكبر سنا. أما اللورد آرثر إدنجتون فيؤكد أن صديقه آينشتين من أوائل الذين أدركوا اللاحتمية في الفيزياء الجديدة، ولم تكن الحتمية عنده إلا مسألة معتقدات شخصية،

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١١٣