58
فهل كان انهيار اليقين الرياضي مثمرا إلى كل هذا الحد؟! فقد تبدل وضعه تماما بعد نظرية كورت جودل في اللااكتمال.
لحق اليقين الرياضي بثوابت أخرى في الإبستمولوجيا العلمية، اهتزت أركانها أو تبدل وضعها بعد ثورتي الكوانتم والنسبية، والمحصلة أن إبستمولوجيا العلم - أي نظرية المعرفة العلمية - في القرن العشرين أصبحت مختلفة تماما عن إبستمولوجيا العلم الكلاسيكي، وعلينا الآن أن نرسم ملامحها، كخلفية عامة لفلسفة العلم في القرن العشرين، من حيث هي خلفية عامة لمعدلات تقدم علمي غير مسبوقة.
رابعا: إبستمولوجيا العلم في القرن العشرين
اتضح الآن مدى خصوبة المنجزات العلمية التي ارتهنت بإشراقة القرن العشرين وتوالت قدما في الثلث الأول منه، فكانت حقبة فريدة في توهجها، وتعد من أخصب وأروع الحقب في تاريخ العلم وفي ملحمة العقل البشري بأسرها. لم تكن هذه المنجزات مجرد إضافات تتراكم فوق ما سبق، بل هي تقويض لدعائم ارتكز عليها العلم ثلاثة قرون أو يزيد، وشق لطريق جديد، فحق اعتبار ثورة الكوانتم والنسبية من أعظم الثورات التي أحرزها الإنسان وخطوة تقدمية جريئة وواسعة. ببساطة، بعدها لم يعد العلم الحديث «حديثا»! بل أصبح ينعت بمصطلح «العلم الكلاسيكي»، والحداثة الحقيقية أو ما بعد الحداثة إنما هي في القرن العشرين. الفيزياء الحديثة
Modern
الآن هي فيزياء القرن العشرين، فيزياء الكوانتم والنسبية ونواتجهما التي تلت.
لقد كشفت قصورا في تصورات الكلاسيكيين العينية لمفاهيم الكتلة والسرعة والأبعاد الثلاثة الثابتة والجامعة المانعة، وفي مطلب الدقة المتناهية في تحديد موضع وسرعة كل جسم والتنبؤ بتفاصيل حركته. على الإجمال اتضحت سذاجة تصورهم لعالم فيزيقي يمكن وصفه بدقة متناهية، إن لم يكن بواسطة علماء اليوم فعن طريق علماء الغد، وهو المشروع الذي طرحه فرنسيس بيكون منذ البداية. وكما يقول لويس دي بروي: «لقد ظنوا أن أية حركة أو تغير يجب تصويره بكميات محددة الموضع في المكان والتغير في مجرى الزمان، وأن هذه الكميات لا بد أن تيسر الوصف الكامل لحالة العالم الفيزيقي في كل لحظة، ويستكمل هذا الوصف تماما بواسطة معادلات تفاضلية أو مشتقات جزئية، تتيح لنا تتبع موقع الكميات التي تحدد حالته، ويا له من تصور رائع لبساطته! توطدت أركانه بالنجاح الذي لازمه لمدة طويلة.»
59
وبهذه البساطة ولذلك النجاح ساد الكلاسيكيين غرور علمي أهوج، فرأوا أن قوانين نيوتن ذات عمومية مطلقة، لا تفلت من بين يديها ولا من خلفها كبيرة ولا صغيرة، لا في الأرض ولا في السماء، بحيث إنها اكتشاف لحقيقة هذا الكون. فت في عضد هذا الغرور أزمة الفيزياء الكلاسيكية، ثم تلقى ضربة قاصمة من عالم الذرة والإشعاع، غير الخاضع لقوانين نيوتن، لكنه خضع لعملاق متناه في الصغر اسمه الكوانتم. حررتنا ميكانيكا الكوانتم من وهم التحديد الفردي اليقيني، واتخذت الإحصاء منهجا يفضي إلى النتائج الاحتمالية الرائعة التي يمكن أن نلمس جبروتها في كل شيء، بدءا من غزو الفضاء وقهر الأمراض الخبيثة وانتهاء بأدوات التسلية والترفيه، بغير الزعم بأن تنبؤاتها قضاء مبرم أو كشف عن القدر المحتوم. والرياضة محض الأداة عقلية خاوية نملؤها بالمضمون، مضمون المتوسطات التي لا تزعم عمومية مطلقة ولا تبحث عنها؛ هكذا كان نجاح الكوانتم الخفاق في العالم دون الذري «الميكروكوزم».
أما عن العمومية في النظرية الفيزيائية العامة للحركة، نظرية نيوتن ثم نظرية آينشتين، فإنه بينما تقتصر نظرية نيوتن على العالم الأكبر أو العالم العياني «الماكروكوزم» وتفشل في الاقتراب من الميكروكوزم، فإن النظرية النسبية تحكم العالمين معا «الماكروكوزم والميكروكوزم» بالقوانين نفسها وتخضعهما للمعادلات الرياضية نفسها، فكانت درجة أعلى من العمومية وأيضا من الدقة.