تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Coordinative Definition

وهي تربط أو تكون إحداثيا بين موضوع كالقضيب الصلب، وبين تصور الطول المتساوي. وعلى هذا فإن القضايا المتعلقة بهندسة العالم الفيزيائي لا يكون لها معنى إلا بعد وضع تعريف إحداثي للتطابق، فإذا غيرنا التعريف الإحداثي للتطابق، نتجت هندسة جديدة، وهذه الحقيقة يطلق عليها اسم نسبية الهندسة، وهي تدل على أنه لا يوجد وصف هندسي واحد للعالم الفيزيائي، وإنما توجد فئة من الأوصاف المتكافئة، وكل من هذه الأوصاف صحيح داخل نسقه، أما الفروق الظاهرة بينها فلا تتعلق بمضمونها، وإنما باللغة التي تصاغ فيها فحسب.

51

والحق أن هذا التفسير الإجرائي بشكل عام هو أساس مدرسة مهمة من مدارس الاتجاه الأداتي في فلسفة العلم سنتوقف عندها في نهاية الفصل التالي، وهي المدرسة الإجرائية التي تعمم هذا التصور على كل المفاهيم العلمية.

المهم الآن أن نلاحظ كيف أن وجود أنساق هندسية تناقض بعضها، وإمكان تطبيق أكثر من نسق واحد وطبيعة هذا التطبيق نفسه «التعريفات الإحداثية»، كل هذا ينهار معه، بل يستحيل معه، مد الضرورة المنطقية الرياضية إلى ضرورة أنطولوجية تتخذ صورة الحتمية الميكانيكية، فضلا عن إقامتها على الأساس الإقليدي. فلم تعد الخاصة الأولية للهندسة الإقليدية مسلما بها، وأوضح بناء الهندسات اللاإقليدية إمكان الاتساق التصوري لمسلمات إقليدس التي كانت تبدو مبرهنة حدسيا. إنها حرمت الهندسة الإقليدية من صفة الضرورة، طبعا الهندسة الإقليدية صحيحة، ولم يختلف أحد على صحتها، الاختلاف فقط في تبرير هذه الصحة وفي تأويلها الإبستمولوجي؛

52

أي في محاولة اشتقاق ضرورة أنطولوجية من تطبيقها.

ثم جاء آينشتين وأثبت القصور في محاولة تطبيق الهندسة الإقليدية على العالم، فوضع المسمار الأخير في نعش الحجة الرياضية الإقليدية للتصور الميكانيكي الكلاسيكي للكون، حين جعل من هندسة ريمان الهندسة الفيزيائية، أي هندسة الكون الذي نحيا فيه. وكان آينشتين يعتبر هذا أعظم إنجازاته، فحين سأله ولده عن سبب شهرته الفائقة، أجابه: «أتعلم يا ولدي، عندما يزحف صرصور أعمى على سطح كرة فإنه لا يلاحظ أن الطريق الذي سار فيه منحن، بينما أنا بالعكس أسعدني الحظ أن ألاحظ ذلك!»

53

أفلا يعني هذا أن الكلاسيكيين حين استمدوا من إقليدية النيوتنية سندا لإبستمولوجيتهم الحتمية كانوا صراصير عميانا؟!

ومن ناحية ثانية، شهد رحاب الرياضيات على مشارف القرن العشرين منجزات أخرى تعد من المنظور الفلسفي ثورة وعلى مستوى آخر أعمق غورا وأكثر أولية، مستوى المنطق الرياضي، إنها ثورة المنطق الرياضي أو ثورة الرياضة المنطقية مع رسل ووايتهد اللذين رأيا - بخلاف جبر المنطق مع جورج بول، أي رد المنطق إلى الرياضة - رأيا أن الرياضيات هي التي ترد بأكملها إلى المنطق، خاصة بعد تحسيب الرياضيات، أي ردها إلى علم الحساب على يد فريجه، ورد علم الحساب إلى مفهوم العدد على يد بيانو، ورد العدد إلى المنطق على يد برتراند رسل، الأمر الذي جعل رسل يعبر عن العلاقة بين المنطق والرياضة بقوله الشهير إنهما لا يختلفان، إلا كما يختلف الصبي عن الرجل، فالمنطق هو صبا الرياضيات، والرياضة هي رجولة المنطق.

ثم أخرج رسل ووايتهد معا كتابهما العظيم «برنكبيا ماتيماتيكا» أي «أصول الرياضيات» العام 1910-1913م ليبدآ فيه بثلاثة لا معرفات هي الإثبات والنفي والبدائل، ومنها فقط تمكنا بواسطة التدوين الرمزي من استنباط قواعد المنطق الصوري بأسرها. وهذا التناول التحليلي للرياضة أثبت أنها مثلها مثل المنطق، قضايا تحليلية فارغة من أي مضمون، وأصبح مبرهنا أن الرياضة بأسرها لا تعني إلا اشتقاق النتائج الضرورية التي تلزم عن مقدمات معينة، ومقدمات الرياضة البحتة بأسرها ليست إلا قواعد للاستدلال، إنها تحصيلات حاصل، المقدم هو ذاته التالي، لكن في صورة أخرى ولا إضافة البتة؛ لذلك يستحيل أن تقبل الكذب أو أن تتعرض للتكذيب، إنها يقينية؛ لأنها لا تمثل إلا ارتباطات جديدة بين مفاهيم معروفة وتبعا لقواعد معروفة.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٠٩