وهذا الكشف عن الطبيعة التحليلية للرياضيات، حل كثيرا من الألغاز المستعصية، فمثلا يمكن أن نفهم الآن كيف فقدت الإقليدية أي ضرورة أنطولوجية، بل إبستمولوجية، بينما ظلت محتفظة بالضرورة المنطقية، فتبقى إلى أبد الآبدين صحيحة؛ وذلك لأنها محض تحصيلات حاصل تربط الضرورة المنطقية بين طرفيها، فإذا سلمنا بالمقدم وهو البديهيات والمسلمات وجب أن نسلم بالتالي، وهو النظريات أو المبرهنات في إطار النسق الإقليدي. لقد أدرك الجميع أن الهندسة ليست أكثر من لعبة منطقية إلى حد معين، وكل ما يعرفه عنها عالم الرياضيات هو البديهيات، أي قواعد اللعب، المستقيم والنقطة والسطح المستوي ... هي بيادق هذه اللعبة، وقواعد المنطق هي قواعد اللعب بهذه البيادق.
54
أقر الرياضيون أن النسق الهندسي قد بني وفقا لمتواضعات
conventions . إنها تمثل صيغا فارغة، لا تتضمن أي عبارات حول العالم الفيزيقي، اختيرت على أسس صورية محضة، ويمكن أن تحل محل الصيغ الإقليدية صيغا لا إقليدية، وبهذا اكتشف الرياضياتي أن ما كان يستطيع إثباته لا يعدو أن يكون نسقا من علاقات اللزوم الرياضية، أي علاقات «إذا كان ... فإن» التي تؤدي من البديهيات إلى النظريات الهندسية، وأصبحت الهندسة الرياضية بدورها مجرد حقيقة تحليلية.
وحل أيضا اللغز المتمثل في أن الخاصة المميزة للفيزياء هي أنها مطروحة في حدود المعادلات الرياضية، وبينما تظل المعادلات الرياضية البحتة يقينية، فإن المعادلات الفيزيائية الرياضية محض احتمالية، خصوصا كما يؤكد عالم الكوانتم، والحل بات واضحا، فصدق القضايا الرياضية يعتمد على العلاقات الداخلية بين حدودها وأطرافها داخل نسقها، أما صدق القضايا الفيزيائية - من الناحية الأخرى - فيعتمد على علاقتها بشيء ما خارجي، مرتبط بالخبرة. إن التمييز راجع إلى اختلاف موضوعات العلمين، واختلاف الخاصة المنطقية لكليهما: الرياضة تحليلية والفيزياء تركيبية، وموضوعات الفيزياء لا يمكن أن تتحدد ببديهيات ومسلمات؛ لأنها شيء من العالم الواقعي التجريبي، وليست في العالم المنطقي للرياضيات، ومهما درسنا الفيزياء في سمتها الرياضية، فستظل دوما في حاجة إلى إثبات صدق معادلاتها على الواقع، وهذه العلاقة تختلف بالمرة عن الاتساق الداخلي للرياضيات؛
55
لذا تظل الفيزياء رياضية بغير أن تستطيع الزعم بيقين الرياضيات.
وعلى الرغم من أنه ليس ثمة نتيجة منطقية حظيت بالقبول الذي حظيت به إثباتات الطبيعة التحليلية للرياضيات؛ لأنه ليس ثمة نتيجة منطقية كانت دامغة ومثمرة مثلها، فإنها لم تنج من الاعتراض، شأن كل قضية كبرى مترامية الأطراف، يصعب أن يصدق عليها الجميع.
فهذا التوحيد بين الرياضة والمنطق يقابله اعتراض، يشترك فيه العقلانيون والتجريبيون، مؤداه أنه ليس ثمة شيء جديد في نتيجة الحجة المنطقية لم يكن متضمنا في المقدمات، فالمنطق بأسره يتكون من التقرير «أ هي أ» وعلى هذا؛ فإن كانت الرياضيات منتجة حقا فهي لا يمكن أن تكون محض منطقية، بعبارة أخرى، الزعم المنطقي التحليلي للرياضيات يفشل في تفسير الجدة
Novelty
وهي حادثة بلا مراء في الرياضيات، غير أن هذا الاعتراض - كما يخبرنا موريس كوهين - لا يعدو أن يكون سوء استعمال للألفاظ، فما الذي نعنيه حين نسأل: هل نتيجة الحجة الاستنباطية محتواة
containing
في المقدمات؟ إننا بالطبع لا نعني ما نعنيه نفسه حين نقول: إن الأشياء محتواة في الحجرة، والمعنى الوحيد الملائم الذي نعزوه إلى علاقة الاحتواء بين المقدمات والنتيجة هو معنى التضمن المنطقي، أي اللزوم
logical Implication ، الذي يجعل التالي يلزم بالضرورة عن المقدم. من هذه الزاوية يصبح التمسك بأن الاستنباط يفضي إلى قضايا متضمنة في المقدمات واضحا تماما، ونحن لسنا على وعي بكل النتائج المتضمنة في افتراضاتنا، وهذه واقعة أساسية في الخبرة الإنسانية، ومن ثم فإن اكتشاف ودراسات تلك التضمينات، يجب أن يشغل نطاقا واسعا من البحث عن الحقيقة،