K. F. Gauss ، بل إنه قام بمحاولة لقياس مجموع زوايا المثلث اللاإقليدية في الطبيعة، بيد أنه لم يكسب أفكاره أي شكل متكامل، ولم ينشر أعماله، واقتصر على الرسائل الخاصة، وكتب في إحداها يقول:
إنني أميل أكثر فأكثر إلى الاقتناع بأنه لا يمكن إثبات ضرورة علم الهندسة بشكل دقيق، على أي حال يستحيل ذلك بالعقل البشري وللعقل البشري.
49
وكان يعني بهذا أن الهندسة الإقليدية على قدم المساواة مع الهندسة اللا إقليدية، كلتاهما خاضعة لعدم التناقض، معيار الرياضة البحتة، ولا ضرورة لإحداهما من دون الأخرى.
هكذا شهد الثلث الأول من القرن التاسع عشر بدايات ثورة في عالم الرياضيات، حين أصبحت ضرورة انطباق الرياضيات على الواقع لأول مرة محل أخذ ورد، وظهر نسق للهندسة اللا إقليدية مع العالم الروسي نيكولاي نوفتش لوباتشيفسكي (1792-1856م)، المعاصر لبولياي وجاوس، فقد نشر العام 1829م في جامعته قازان مذكراته حول مبادئ الهندسة، وكان هذا أول عرض منهجي مكتمل لهندسة لا إقليدية، ترفض مسلمة التوازي، فتفرض أن السطح ليس مستويا بل مقعرا.
ثم جاء الألماني ريمان
E. Riemann (1826-1866م) ليفترض أن السطح محدب، ووضع نسق هندسة لا إقليدية لا توجد فيه أي خطوط متوزاية على الإطلاق.
هكذا أدركنا أن الله يمكن أن يخلق مثلثات زواياها أكثر أو أقل من قائمتين، وأن ما قاله إقليدس محض بناء عقلي معجز، وليس ضربة لازب مفروضة على الله قبل الإنسان!
هاتان الهندستان: هندسة لوباتشيفسكي بسطحها المقعر وهندسة ريمان بسطحها المحدب، تناقضان الهندسة الإقليدية بسطحها المستوي، ومع ذلك فكل منهما لا تنطوي على أي تناقض داخلي، وإنما هي نظام متسق بالمعنى نفسه الذي تكون به هندسة إقليدس متسقة، وعن طريق معادلات تحويل مناسبة أثبت كلين
Klein ، وكايلي
Cayley ، ووايتهد أن كل قضية في هندسة إقليدس تناظرها قضية في هندسة ريمان، وتناظرهما ثالثة في هندسة لوباتشيفسكي، فإذا كان ثمة خلل أو عدم اتساق في أي من هاتيك الأنساق الثلاثة فلا بد أن يكون الأمر هكذا في الباقيتين. والآن أي من هذه الأنساق هو الحقيقة؟ هذا سؤال لا تثيره الرياضة البحتة، الثلاثة في نظرها متساوية، كل منها صحيح ما دام متسقا مع البديهيات، أو بالأصح المقدمات التي بدأت منها، وانطباق أي منها على الطبيعة مسألة فيزيائية وليست رياضية.
50
وكان يمكن أن تظل هذه الثورة على المستوى الخالص، مستوى الرياضيات البحتة التي تبلورت وتميزت فقط في القرن التاسع عشر بفعل عوامل أهمها ظهور هذه الهندسات اللاإقليدية، وكما يقول دافيد هيلبرت، لرياضيات البحتة غير ذات صلة إطلاقا بالرياضيات التطبيقية والهندسة الفيزيائية! إنها لا تصبح تطبيقية إلا بعد اتباع طرق رياضية خاصة، أما الرياضيات البحتة في حد ذاتها فلا تلتزم إطلاقا بأي متعينات أنطولوجية - أي وجودية. لذلك أمكن للكلاسيكيين في البداية الحكم بأن هذه الهندسات تعبر عن عبقرية رياضية لا أكثر، أو أنها إنجاز عقلي فحسب، فتبقى إبستمولوجيتهم مصونة، أي يبقى عالمهم حتميا ميكانيكيا ويبقى علمهم يقينيا قطعيا ضروريا، ولوباتشيفسكي نفسه كان يميل إلى الاعتقاد بأنه تحقق في عالمنا الهندسة الإقليدية.
ولكننا ذكرنا أن جاوس حاول أن يثبت قابلية الهندسة اللاإقليدية للتطبيق التجريبي على العالم الفيزيائي، وبفضل جهود جاوس وغيره نشأت عن هذه الهندسات المتعددة مشكلة هندسة العالم الفيزيائي، فأيتها هندسته؟ وقد أدى هذا إلى مآزق، كان المخرج القوي منها إجرائيا بحتا وهو: أن ننظر إلى مسألة التطابق بين النسق الهندسي والعالم الفيزيائي لا على أنها مسألة ملاحظة تجريبية، بل مسألة تعريف، فينبغي ألا نقول: إن القضيبين الموضوعين في مكانين مختلفين هما بالفعل متساويان، إنما الواجب أن نقول: إننا نسميهما قضيبين متساويين، ويسمى هذا النوع من التعريفات بالتعريفات الإحداثية