46
على أية حال، جاء إقليدس المعاصر تقريبا لأرسطو ليقوم بتطبيق ذلك التحليل الأرسطي في إقامة نسقه. لم يضف إقليدس كثيرا للجهود السابقة عليه، لكنه فعل ما هو أهم: الربط المنطقي بينها ربطا بلغ حدا جعله مثالا يحتذى للمنهج الرياضي الاستنباطي طوال ألفين من السنين، عالج إقليدس كل الرياضيات المعروفة في عصره: الهندسة والحساب ونظرية الأعداد، وأودعها كتابه «الأصول». ينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة عشر كتابا أو فصلا، الستة الأولى منها تشكل نسقا متكاملا لهندسة السطح المستوي، وكان أول ما فعله إقليدس هو وضع تعريفات من قبيل: النقطة هي ما ليس له أجزاء وليس له حجم، والخط طول بغير عرض ... إلخ، فيستهل الكتاب الأول بخمسة وثلاثين تعريفا، بخلاف التعريفات المطروحة في صدر كل كتاب من الكتب الخمسة التالية،
47
وأيضا وضع إقليدس في مقدمة الكتاب الأول من الأصول اثنتي عشرة بديهية بخلاف بديهيات مطروحة في كتب أخرى، من قبيل: الكل أكبر من جزئه، والمقدران المساويان لثالث متساويان ... إلخ، واكتملت مقدمات إقليدس بخمس مسلمات من قبيل: يمكن رسم خط مستقيم بين أي نقطتين ويمكن مده إلى أي طول نشاء ... ومن هذه المقدمات - أي التعريفات والبديهيات والمسلمات - أقام البرهان على نظرياته العدة التي كانت جميعها مناط الإكبار والإعجاب.
وكما ذكرنا أتت المشاكل من المسلمة الخامسة وهي مسلمة الخطين المتوازيين، وأبسط صورها: الخطان المتوازيان لا يلتقيان مهما امتدا، أو: من نقطة خارج مستقيم معلوم لا يمكن رسم إلا مستقيم واحد يوازيه. فقد شك الرياضيون - ومن بينهم نصير الدين الطوسي والحسن بن الهيثم - في كونها مسلمة، وراودهم الاعتقاد بأنها يمكن أن تكون نظرية مبرهنة نثبتها، فحاولوا إثباتها باستخدام المسلمات الأخرى، ولم ينجح أحد في إثباتها، وبعضهم أسلمته هذه المسلمة للجنون.
وبصفة عامة يمكن القول: إن البراهين المباشرة تعرب عن فشلها للوهلة الأولى، فلم يكن أمام الرياضيين إلا برهان الخلف وهو منهاج أثير لديهم، يعني إثبات صدق القضية عن طريق إثبات كذب نقيضها أو عكسها، فإذا أثبت كذب (لا «أ») فمعنى هذا أننا أثبتنا أن («أ» صادقة)، وبالتالي إذا أثبت الرياضيون خطأ أو كذب القضية: الخطان المتوازيان يلتقيان، كان هذا إثباتا لصدق القضية القائلة إنهما لا يلتقيان مهما امتدا، أي تلك المسلمة المذكورة.
ولكي يفترضوا عكسها، أي إمكان التقاء المتوازيين، افترضوا أن السطح غير مستو، أي غير إقليدي، ومن هنا أدت المسلمة الخامسة إلى الهندسات اللاإقليدية، وهي الأنساق الهندسية التي تختلف عن نسق إقليدس من حيث إنها لا تفترض أن السطح مستو، فلا تسلم بمسلماته، بل بمسلمات مختلفة.
وكان العالم الإيطالي جيرولامو ساكشيري
G. Saccheri
قد أحرز بعض النجاح في الكفاح اليائس ضد المسلمة الخامسة، لكنه لم يصب الهدف، شأن جميع سابقيه ومعاصريه من الرياضيين. ثم جاء الألماني يوهان لامبرت
J. H. Lambert (1667-1733م) من دون أن يعرف شيئا عن أعمال ساكشيري واستخدم شكلا رباعيا مختلفا نوعا ما، به أربع زوايا، ثلاث منها قائمة والرابعة إما أن تكون حادة، وإما أن تكون قائمة أو منفرجة. أما الحادة فقد حار فيها لامبرت - كما حار من قبله ساكشيري - وبين أن فرضية الزاوية القائمة تكافئ مسلمة إقليدس، ودحض - كما فعل ساكشيري - فرضية الزاوية المنفرجة، ولكن لامبرت زاد فبين أنها لا يمكن أن تتحقق إلا على سطح كرة، إذا ما قامت الخطوط المنحنية لدائرة كبيرة بدور الخطوط المستقيمة، فكان لامبرت - بهذا - المبشر الأول بالهندسة اللاإقليدية.
48
وبعد حوالي عشرين عاما من وفاة كانط، أي العام، 1824م، اكتشف رياضي مجري شاب هو جون بولياي
J. Bolyait (1802-1860م) أن مسلمة التوازي ليست عنصرا ضروريا، فشيد هندسة تخلى فيها عنها، وأحل محلها مسلمة جديدة هي القائلة: إن هناك أكثر من مواز واحد لمستقيم معين من نقطة معينة، وفي هذا الوقت كانت فكرة الهندسة اللاإقليدية قد تراءت بوضوح في ذهن العالم الألماني الفذ كارل جاوس