تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان هذا هو حال الرياضيات، فكيف بلغها المد الثوري؟

لقلد تلمسناه حين رأينا آينشتين يستبدل بالهندسة الإقليدية هندسة لا إقليدية للكون هي هندسة ريمان، فأدركنا فقط في القرن العشرين أن تطبيق الإقليدية على الكون مسألة تعسفية إن لم تكن قاصرة. أما فيما سبق، فقط كانت هندسة إقليدس هي الأنموذج الأعظم لليقين، بكل معاني اليقين ودلالاته، الإبستمولوجية والأنطولوجية وما قبلهما وما بعدهما، حتى إن القديس توما الإكويني

Thomas Acquinace (1225-1274م) قد شغلته قضية مهمة هي: ما الذي يكون فوق إرادة الله؟ فوضع إجابة تتضمن بضعة أشياء، منها: أن الله لا يستطيع أن يجعل مجموع زوايا المثلث أقل من قائمتين! فقد كان الجميع - فلاسفة وعلماء ومثقفون وعوام - شأنهم شأن إيفان كرامازوف بطل رائعة دستويفسكي «الإخوة الأعداء» على يقين من أن الله قد خلق العالم بموجب الهندسة الإقليدية.

فليس غريبا أن تطرح النيونية كل تلك الحتمية واليقين وهي تقوم بتطبيق الهندسة الإقليدية على الواقع الفيزيائي أو على الكون. ولأن هندسة إقليدس كانت آنذاك هي الهندسة الوحيدة التي لا هندسة سواها - ولا حتى تصورا - كانت بمنأى عن كل جدال، «ولم تكن هناك مشكلة متعلقة بهندسة المكان الفيزيائي، وكان من الطبيعي أن تعد الهندسة الإقليدية منطبقة على المكان الفيزيائي لعدم وجود هندسة أخرى. وقد كان الفضل يرجع إلى كانط في أنه أكد أكثر من غيره على تطابق الهندسة الرياضية مع الهندسة الفيزيائية».

44

لكن تماما كما أثارت الفيزياء الكلاسيكية مشاكل أدت إلى الخروج من عالمها الميكانيكي، أثار نسق الهندسة الإقليدية مشاكل أدت إلى الخروج منه إلى أنساق هندسية أخرى، وهي المشاكل الخاصة بالمسلمة الخامسة.

فالنسق الهندسي يقوم على مقدمات أساسية، هي تعريفات للحدود الهندسية المستخدمة، ثم قضايا نسلم بها بلا برهان، يحددها العالم فنسلم بها معه ما دام رآها ضرورية لبناء النسق بشرط أن تكون متسقة فيما بينها وكافية للبرهنة على نظريات النسق، وأيضا لا بد أن تكون كل مسلمة مستقلة بذاتها فلا يمكن استنتاجها أو استنباطها من القضايا الأخرى المسلم بها؛ لأنه لو أمكن استنباطها لكانت نظرية مبرهنة وليست مسلمة. من هذه المقدمات، وعن طريق الوسائل المنطقية وقواعد الاستدلال، تستنبط النظريات أو المبرهنات. النظرية الرياضية مبرهنة

theorem

وليست مجرد نظرية

theory

مطروحة؛ فقد برهن عليها، وتم إثباتها بناء على المقدمات. وبهذه العناصر الثلاثة - المقدمات والقواعد المنطقية والمبرهنات - يكتمل بناء النسق الصوري.

والواقع أن المعلم الأول أرسطو قد أرسى هذه الأسس الباقية، حين ميز في كتابه «التحليلات الثانية» بين المبادئ المشتركة لكل العلوم (وهي قوانين الفكر الأساسية: قانون الهوية، أي «أ» هي «أ»، وقانون عدم التناقض، وقانون الثالث المرفوع أو الوسط الممتنع، أي إن الشيء إما «أ» وإما لا «أ»، ولا وسط، أي: لا طرف ثالث) وبين المبادئ الخاصة بكل علم على حدة. والمبادئ الخاصة بالرياضيات هي أولا التعريفات للحدود المستعملة، وثانيا البديهيات وهي قضايا واضحة بذاتها، وتعد صادقة عند كل من يفهم معناها بغير حاجة إلى برهان، وثالثا المسلمات التي نصادر عليها كي تؤسس العلم وتقيم البرهان، وقد لا تكون واضحة لكنها تتضح فيما بعد. وبهذا التحليل غير المسبوق كان أرسطو يرسي على أساس منهجي ومنطقي مقنن حجر الزاوية للتعاون بين الرياضيات والفلسفة - والذي لن تنفصم عراه بعد ذلك أبدا - مثلما يرسي أسس نسق الهندسة. لكن أرسطو لم يتجاوز حد التأسيس، ولم يقم نسقا رياضيا،

45

على الرغم من أن جهوده الرياضية تمتد إلى محاولة إثبات بعض المبرهنات، مثل مبرهنة تساوي الزاويتين المقابلتين للساقين المتساويين في المثلث.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٠٦