تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثالثا: الرياضيات في ركاب الثورة

لقد عم المد الثوري وساد تصورات العلم ومفاهيمه واكتسب منتهى الشرعية والمشروعية حين بلغ مداه رحاب السلطة الحكمة وملكة العلوم: الرياضيات، بحيث أصبح التطور المعرفي منذ بدايات القرن العشرين يسير من كل حدب وصوب في ركاب المتغيرات الثورية. على أن نلاحظ قبلا أن الرياضيات ضرورية، بل هي - بتعبير إميل بوترو - علم الضرورة. إننا إذا سلمنا بالمقدم في القضية الرياضية لا بد بالضرورة أن نسلم بالتالي. لم تكن الرياضيات في أي مرحلة من مراحل تطورها التاريخي أكثر أو أقل من تلك الصورة النهائية للضرورة التي تربط بين طرفي القضية الرياضية من حيث هي قضية رياضية في إطار نسقها المطروح. القضية الرياضية بهذا هي الكيان الوحيد في عالم العلم الذي ينبثق كاملا، أو هي الوليد المعجز الذي يولد ناضجا، وكانت الرياضيات دائما هي النموذج الأمثل للضرورة المنشودة في الاستدلال العقلي واليقين المطلق.

ومع هذا، فإن الرياضيات مجرد بناء عقلي بحت وإنشاء منطقي خالص، لا يلتجئ ولا يحتاج - إن قليلا وإن كثيرا - إلى ذلك الوجود المتعين موضوع الفيزياء وسائر العلوم الإخبارية التجريبية. إن الرياضيات ملكة العلوم والمبحث الصوري الرفيع المترفع عن شهادة الحواس وجزئيات الواقع التي تغوص في لجتها العلوم الإخبارية. بعض الأحداث في خبرتنا العادية، كرؤية سحابة تجتمع بأخرى، فنجد حاصل جمعهما سحابة واحدة وليس اثنتين، قد ينقض قواعد الحساب، وأبسط قواعد الهندسة قد يحتاج إلى عالم هندسي مثالي، وقد لا يصدق على الواقع، ولكن نحن لا نطلب منها أن تصدق عليه، بل فقط أن تكون متسقة مع مقدماتها، وأن تتسق معها نتائجها، وبهذا تكون قواعد علم ناجح، و«كما هو معروف العلم الناجح الصحيح على نطاق واسع جدا، بل وغير محدود، إنما يعمل بقواعد الرياضة».

43

على هذا ليس من المفروض إطلاقا على عالم الرياضة البحتة أن يغادر أوراقه وحجرة عمله؛ لينظر إلى الخبرات الواقعية يستمليها أو يستفتيها، ولا حتى عن طريق الرياضة التطبيقية، فكأننا به يقول ملخصا عمله: افترضوا معي هذه المسلمات أو المقدمات، وتعالوا لأريكم ما عساه أن ينتج عنها بواسطة المنهج الاستنباطي الصرف من نظريات، إن صحت فهي ضرورية يقينية يستحيل أن يدانيها سوى اليقين المطلق.

والرياضيات بهذا دونا عن لغات العالمين هي اللغة المنضبطة والاستدلال الدقيق الذي لا مثيل له في أي شكل آخر من أشكال التفكير؛ لذلك قال كانط إن الرياضيات هي الحظ السعيد للعقل البشري. والواقع أنها فعلا هدية الله الحقيقية للإنسان.

وهي مطردة التقدم شأن كل قاطني عالم العلم، فما بالنا بملكة العلوم! يومها أفضل من الأمس، يسجل العقل فتحا متتاليا لآفاق أوسع وإحرازا متواليا لمنجزات مستجدة. لكن تقدم العلوم الإخبارية التجريبية يلغي المراحل السابقة من تاريخ العلم، فينسخ الجديد القديم، يكشف عن مواطن كذب فيه وأحيانا يبلغ هذا حد اكتشاف مواطن للخطل واللامعقولية. أما في الرياضيات فقد تستوعب المناهج المتطورة المشاكل القديمة وتقدم طرقا أبسط وأعمق لمعالجتها، فضلا عن فتح آفاق أوسع، لكن ما دامت ثبتت صحة قضية رياضية في إطار نسقها؛ أي ما دام ثبت الارتباط بين المقدم والتالي فيها، فسوف تظل صحيحة إلى أبد الآبدين وتتمتع القضية الرياضية داخل نسقها بثبات صدق وضرورة منطقية تميزها عن قضايا العلوم التجريبية، ومهما علت الرياضيات في مدارج التقدم لن تسخر من براهين القدامى في العهود السحيقة أو تكتشف خطأها فجأة، كما يحدث في العلوم الأخرى. ما زال آينشتين منبهرا بنظرية فيثاغورث الموضوعة قبل الميلاد بقرون ويعمل على أساسها، وما زالت هندسة إقليدس نموذجا لبناء النسق الهندسي، وقد وضعها في مصر في العصر البطلمي، في الإسكندرية في أثناء القرن الثالث قبل الميلاد. إن القضية الرياضية إذا كذبت كانت متناقضة ذاتيا، وإذا صدقت كانت ضرورية الصدق، وكذبها مستحيل إطلاقا في أي ظروف وشروط «2 + 2 = 4» لا ترتبط بأي شروط زمانية أو مكانية، بل تصدق دائما وأبدا ما دمنا متفقين على معان محددة للرموز: 2، 4، الجمع، التساوي، وسائر حدود نسقها الرياضي. وبالمثل إنكار أن المثلث شكل محاط بثلاثة أضلاع يعني إنكار أن يكون المثلث مثلثا!

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٠٥