وهنا تقدم اللورد آرثر ستانلي إدنجتون
A. S. Eddington
وهو من أعظم علماء الفلك في النصف الأول من القرن العشرين، ويقف في طليعة فيزيائيي النسبية الذين أسهموا في تطويرها وتنقيحها خصوصا في كتابيه «المكان والزمان والجاذبية 1920م»، و«النظرية الرياضية للنسبية 1923م». لقد أجاد استيعاب الآثار العميقة لثورة الفيزياء وتمثل إبستمولوجيا القرن العشرين، فكان فيلسوف علم مرموقا، وإن رآه البعض واقعا في براثن المثالية الذاتية. هذا على الرغم من أن إدنجتون هو الذي اقترح أن نطلق على مبدأ هيزنبرج اسم مبدأ اللاتعين
Indeterminacy
بدلا من اسم مبدأ اللايقين
Uncertainty ؛ لأن اللاتعين أكثر موضوعية، أكثر انطباقا على موضوع البحث وليس على الذات العارفة ويقينها أو تشككها. وإدنجتون على أي حال راهب من رهبان المعرفة، لم يتزوج ونذر حياته الهادئة - في جامعة كمبردج - تماما للعلم وفلسفته. تقدم إدنجتون بطلب رسمي بألف جنيه لتمويل حملة علمية إلى جنوب إفريقيا العام 1919م، وذهب لتصوير النجوم في أثناء كسوف الشمس، وذلك لمقارنتها بصورة النجوم في أثناء الليل التي التقطت منذ شهور خلت حين كانت الشمس في الموقع نفسه المرصود من السماء، وتمت المقارنة وحسابات الآثار، وجاءت النتيجة تماما كما تنبأ آينشتين مخالفا بهذا جموع العلماء،
42
أبرق إدنجتون إلى آينشتين يزف النتيجة، وبروح الدعابة التي اشتهر بها آينشتين قال: إنه واثق من صحة نظرياته وسلامة تنبؤاته، ولو كانت النتيجة قد جاءت مختلفة لرثي لحال صديقه العزيز آرثر إدنجتون!
هكذا بفضل بعثة إدنجتون اجتازت النظرية النسبية الاختبار التجريبي العسير، وهنا فقط وبعد أعوام من إعلانها، خرجت من صفحات مجلة «الفيزياء: وقريناتها، ودوائر ثلة من العلماء المتخصصين غير المتعاطفين أحيانا، وأدرك الجميع أنهم بإزاء أثقب نظريات القرن العشرين وواحدة من أخطر المنجزات في تاريخ العلم بأسره. وأصبح آينشتين أشهر علماء القرن العشرين، وتوالت الاختبارات التجريبية التي اجتيزت بنجاح، وفرضت النظرية النسبية نفسها على روح القرن وعلى جميع الأوساط والمستويات الفكرية، وحين انتصف القرن كانت مكتبة نيويورك المركزية تضم أكثر من خمسمائة كتاب عن النظرية النسبية.
وعلى الرغم من أن إسهام الكوانتم في التقدم الفعلي للعلوم الطبيعية في القرن العشرين أثقل وأكثر وأشد عينية من إسهام النسبية، فإن الأخيرة حازت شهرة أكثر في الأوساط الثقافية العامة وأيضا الشعبية، حتى إذا ذكرت ثورة الفيزياء ورد إلى الأذهان اسم آينشتين ونظريته النسبية دونا عن أو قبل اسم ماكس بلانك وزملائه من فرسان الكوانتم العظام، الذين دفعوا العلم الطبيعي دفعته الجبارة في القرن العشرين. على العموم، النظريتان معا هما أساس ثورته الفيزيائية الكبرى وإنجازاته التقانية «التكنولوجية» الباهرة.
وقد أسلم آينشتين الروح رافضا تولي الرئاسة الشرفية لإسرائيل أو حتى الانتقال إليها من مهجره الأمريكي، ويحاول تحقيق أمل العلماء في ضم النظريتين معا في إطار نظرية واحدة للمجال الموحد، بدلا من اثنتين، مثلما ارتكزت الفيزياء الكلاسيكية على نظرية واحدة هي نظرية نيوتن. لم يتمكن آينشتين من إنجاز هذا الأمل، وما زال الشوط طويلا أمامه. وعلى كرسيه المتحرك بالكومبيوتر الشخصي الذي يعوضه العجز عن النطق وعن الحركة، يحاول العبقري الفذ ستيفن هوكنج تحقيق هذا الأمل والجمع بين الكوانتم والنسبية في نظرية واحدة، ربما يتوصل إليها في القرن الحادي والعشرين.
على أن النظرية النسبية حين اتخذت من هندسة ريمان هندسة تطبيقية، بدلا من هندسة إقليدس التي عمل بها نيوتن، جعلت الرياضيات بجلال قدرها وعظيم شأنها تسير في ركاب الثورة، ولا نستطيع أن نتغاضى عن هذا.