تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Friedman ، ولوميتر

Lemaitre

بإدخال تعديلات على آراء آينشتين، بحيث أصبحت تقوم على افتراض أن مجموع المكان المتناهي ليس له حجم ثابت، وإنما هو يتمدد، والرياضيات التفاضلية في النظرية النسبية تسمح بهذا. وعموما فإن تمدد الكون أصبح فرضا فيزيائيا مأخوذا به وتشهد عليه ملاحظات عدة.

40

وأهم ما في الأمر أن آينشتين أخذ بهندسة ريمان التي تفترض أن السطح متحدب، في مقابل هندسة إقليدس التي تأخذ بها الفيزياء الكلاسيكية، والتي تفترض أن السطح مستو، وترى النسبية أن الفضاء غير منسجم ولا متشابه ولا متناسق كما يزعم نيوتن مرتكزا على الاطراد، إنما هو يتحدب حول الكتل السابحة فيه، ويزداد تحدبه حول الكتل الكبيرة، فيتحدب حول الشمس أكثر من تحدبه حول الأرض، ويتحدب حول الأرض أكثر من تحدبه حول القمر، وهكذا. وعلينا أن ندرك أنه متحدب هكذا بأبعاده، ورابعها الزمن.

تحدب الفضاء يحل مشاكل عدة عجزت الفيزياء الكلاسيكية عن حلها، مثبتة بهذا أن هندسة إقليدس بسطحها المستوي لا تصلح تفسيرا لظواهر الكون جميعا، فمثلا، ثمة نقطة في مدار الكوكب تسمى بالحضيض الشمسي، وهي أبعد نقطة في مدار الكوكب عن الشمس، ولا يمر الكوكب في نقطة الحضيض الشمسي نفسها؛ لأن هذه النقطة بدورها تتحرك حول الشمس حركة بطيئة جدا، فالتغير طفيف جدا في مواضع هذه النقطة، وقد لجأ العلماء إلى حسابات دقيقة لتحديدها واضعين في الاعتبار أن دوران الحضيض الشمسي لكل كوكب يتأثر بالكواكب المجاورة له، وقانون جاذبية نيوتن كاف لحساب مقدار تأثير الكواكب. خضعت دورات الحضيض الشمسي كلها للحسابات النيوتنية إلا عطارد - أقرب الكواكب إلى الشمس وأسرعها. وكان اختلاف حضيض عطارد الشمسي لغزا لم يستطع العلماء أن يجدوا له حلا. حضيضه يدور حول الشمس 574 ثالثة كل قرن (إذا قسمنا الدرجة 60 ثانية، كانت الثالثة جزءا من 60 جزء للثانية) لا تستطيع جاذبية نيوتن إلا أن تفسر 531 ثالثة فقط، أما الثلاث والأربعون الباقية فليس لها تفسير بحال.

41

وتأتي جاذبية آينشتين الكونية، وهي نتيجة لتحدب الكون الذي يؤدي إلى انحراف الضوء وانحراف الأجسام أيضا، هذا الانحراف يبدو لنا في صورة الجاذبية ويجعل الكوكب بدوره منجذبا حول الشمس، أي إن حركته تنعطف نحوها، ولولا هذا التأثير لسارت الكواكب في خط مستقيم وفي اتجاه مطرد. وهذا التصور للجاذبية وبالقوانين التي وضعها آينشتين قد حل المشكلة عند تطبيقها على دوران عطارد، وأعطى الجواب الصحيح: 574 ثالثة كل قرن. وكان هذا شاهدا على صحة الفرض الأساسي للنسبية العامة، ودليلا مقنعا نظرا للفارق الكبير الملموس بين الواقع التجريبي ونتائج نيوتن. إنه انتصار للتصور اللاميكانيكي على التصور الميكانيكي وفي عقر داره: الماكروكوزم، أي العالم الأكبر العياني، والتعامل مع الكتل الضخمة.

والواقع أن أول شاهد تجريبي يعزز النظرية النسبية جاء في أثناء كسوف للشمس في 29 مايو العام 1919م، وكان حدثا جللا هز أركان المجتمع العلمي. فعالم الفيزياء النيوتنية هو العالم نفسه الذي يمر به الشخص العادي في خبرته العادية وحياته اليومية - أي عالم الحس المشترك. وبقدر ما ناقض آينشتين مسلمات الفيزياء الكلاسيكية فقد ناقض أيضا عالم الحس المشترك والخبرة اليومية الذي يبدو معقولا أمام الناس أجمعين، وكما أوضحنا، رسمت النسبية أطر كون يصعب تصوره ويبدو لا معقولا، فواجهت النظرية في البداية ردود أفعال قوية وتيارات علمية رافضة، ورآها بعض العلماء تركيبة عبقرية قد نعجب بها، لكن لا ينبغي أخذها مأخذ الجد، فضلا عن الذين رأوها مؤامرة يهودية خبيثة لتقويض دعائم العلم الفيزيائي والنيل من مجده.

حتى كان مايو من العام 1919م الذي سيشهد كسوفا كليا للشمس في منطقة جنوب إفريقيا. والمكان في النظرية النسبية وسط محدب يفرض على الضوء نوعا من الانحراف يمكن حسابه مقدما والتنبؤ به، فيتحدب حول الأجسام الثقيلة كالشمس كما لو كان منجذبا نحوها. بعبارة أخرى، على أساس من مبدأ التكافؤ بين الجاذبية والتحدب، فإن الضوء تجذبه الأجسام الثقيلة كالشمس تماما كما تجذب الكتل المادية، إنها تجذب الضوء جذبا يحرفه عن مساره لو لم تكن هذه الشمس موجودة، ونتيجة لهذا يمكن التنبؤ بأن الضوء المنبعث من نجم في وضع ظاهري قريب من الشمس يصل إلى الأرض من اتجاه يجعل النجم يبدو كما لو كان مائلا قليلا عن الشمس. بعبارة أخرى، نقول: إن النجوم القريبة من الشمس تبدو كما لو كانت قد تحركت قليلا عن بعضها البعض، وهذا الشيء لا يمكن ملاحظته في الأحوال الطبيعية، ما دامت النجوم حول الشمس غير مرئية في النهار بسبب اللمعان الشديد للشمس، ولكن يمكن تصويرها فوتوغرافيا إبان كسوف الشمس، حيث يحجب القمر ضوء الشمس فتتكشف النجوم حولها. ولو صورنا هذه النجوم في أثناء الليل - أي في أثناء غياب الشمس - يمكن قياس المسافات على الصورتين، وحساب الأثر المتوقع.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٠٣