على هذا التفسير الأنثروبولوجي البسيط لنشأة الاقتصاد والسياسة، أي لنشأة تنظيم الثروة وتنظيم القوة في التجمع البشري، ترتكز الأسس الليبرالية، السياسية والاقتصادية على السواء.
فمن الناحية السياسية نلاحظ أن المسألة عقد - ولنضع خطا تحت عقد - بين الحاكم والمحكومين، ليقوم الحاكم بدور معين في تنظيم حياتهم، نشدانا لظروف أفضل للاجتماع الإنساني ولحياة البشر سويا؛ إنها فكرة العقد الاجتماعي التي اهتم بها الفلاسفة الليبراليون، خصوصا جون لوك وجان جاك روسو - وفيما بعد الفيلسوف جون رولز - أيما اهتمام؛ وذلك ليحدوا من طغيان الملوك ويلزموهم بحدودهم، ليخبروهم بأنهم في خدمة الشعب وليسوا ملاكا لقطيع.
وحقا إن فيلسوف الديكتاتورية الإنجليزي توماس هوبز
Thomas Hobbes (1588-1679م) قد سبقهم في الاهتمام بفكرة العقد الاجتماعي، ليصل إلى نتائج مخالفة كثيرا، إلا أن مقتضى الفكرة على كل حال هو أن تفسير نشأة السلطة الحاكمة، وأيضا طبيعتها ودورها أولا وأخيرا، عقد بين الحاكم والمحكومين الذين يدينون له بالولاء والطاعة، فقط ليقوم بدور معين في حياتهم - كما ذكرنا، بحيث إنه إذا عجز أو فشل أو انحرف في أداء هذا الدور الذي خوله له المحكومون، أصبح من حقهم عزله وإبرام عقد جديد مع حاكم آخر.
من هنا انطلقت الليبرالية - مسلحة بفكرة العقد الاجتماعي - لتؤكد رفض حق الملوك الإلهي في الحكم، أو أنهم ورثة الله على الأرض كما كان شائعا في العصور الوسطى الإقطاعية والعصور القديمة. بهذا الرفض الذي أصبح الآن أمرا مسلما به، بل وبديهية في غير حاجة إلى الذكر فضلا عن النقاش، أنجزت البشرية بعضا من أعظم خطوات التقدم الاجتماعي في تاريخ البشر. لقد استبدلت حكم القانون بحكم الفرد، وجعلت الشعوب مواطنين لا رعايا، واستطاعت أن تسير قدما في هذا الصدد مرسية الدعائم الحديثة للحكم الديمقراطي المنشود، وتأكيد حق المواطنين في الإشراف على الحكم من خلال ممثلين مختارين أو نواب، ومبدأ الفصل بين السلطات الثلاث - التنفيذية والتشريعية والقضائية - والذي أصبح الأساس الديمقراطي المكين بعد أن وضع مونتسكيو (1689-1755م) كتابه الخالد ذا الأجزاء الثلاثة «روح القوانين». ودأبت الليبرالية على وضع أقصى ضمانات ممكنة لضبط ممارسة السلطة لعملها، وللحيلولة بينها وبين صور الانحراف السلطوي التي شد ما عانت منها العصور الوسطى والقديمة، كالعسف والظلم والديكتاتورية وتكديس الأموال بلا حدود وبلا قانون.
وعلى نفس ذلك التفسير الأنثروبولوجي البسيط يعود أيضا الاقتصاد الليبرالي ، والذي يمكن أن نعتبر مركزه ومحوره - كما أوضحنا - هو الاعتراف بحق الفرد في الملكية بل وتأكيد هذا الحق.
ولنلاحظ أن الملكية كانت تعني في البداية ملكية ناتج العمل. العمل امتداد مباشر لشخص الإنسان، أما الأرض ومواردها فهبة إلهية وهبها الله لعباده أجمعين. في البداية كان البشر قليلين، والأراضي شاسعة جرداء مواردها وفيرة، أكثرها عادم لا يجد مستغلا أو مستثمرا، لا مشاحنة خطيرة في توزيعها وهي كل موارد الإنتاج آنذاك.
وحتى منشأ الليبرالية في القرن السابع عشر، كان هذا هو الوضع إلى حد ما، مما جعل رائد الليبرالية جون لوك يتحدث عن الملكية بوصفها حق كل فرد في تحويل قطعة جرداء من الأرض بفضل عمله إلى مزرعة مثمرة ومنتجة، أي مورد إنتاج أو وسيلة إنتاج؛ إنه إذن الحق الطبيعي في ناتج العمل الذي لا نقاش فيه، لا من قبل أهل اليمين الليبراليين ولا من قبل أهل اليسار الاشتراكيين، ولا حتى من الشيوعيين الذين رفعوا - ضمن شعارات عديدة لهم - شعارهم الشهير: «الأرض لمن يزرعها»، وإن كان بالطبع شعارا رفع في ظروف مغايرة ولأهداف مغايرة.
بيد أن حياة الإنسان قصيرة، ووسائل الإنتاج مستمرة، وطالما أن حقوق الملكية الفردية مكفولة ومصونة، فسوف يتلقاها الورثة الشرعيون بغير جهد ولا فضل، بغير عمل وجهد، وإذا أضافوا إليها عملا، فقد تركوها لورثتهم مضاعفة، وهي قد تتضاعف بغير عمل؛ فمن طبيعة وسيلة الإنتاج - كالأرض الزراعية وقطيع الأغنام مثلا - أنها مثمرة ولود؛ وتتراكم الثروات وتنمو عبر الأجيال، مما أدى إلى تضخم الملكيات ورءوس الأموال بصورة استنفرت الجميع من أجل التنظير الاقتصادي السياسي، خصوصا بعد ما تفاقم الأمر بالثورة الصناعية.