تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اليمين، أي النظام الرأسمالي، هو الذي يترك ملكيتها للأفراد، وبطبيعة الحال الذي يقضي بكثرة عدد الأفراد وقلة عدد موارد الإنتاج، لن يتملك كل شخص، بل فقط قلة أو طبقة معينة هي طبقة الملاك أو البرجوازيين أو الرأسماليين. أما اليسار، أي النظام الاشتراكي، فهو الذي يرفض هذا، ويصر على أن تبقى سائر موارد الإنتاج ملكا لكل شخص وللا شخص، أي ملكية عامة للدولة أو للجماعة. وبين هذا وذاك نجد الوسط وهو النظام المطبق في معظم دول العالم يجعل بعضا من موارد الإنتاج - خصوصا الأساسية والحيوية والاستراتيجية - ملكا للدولة، ويترك بعضها الآخر ملكا للأفراد في تنافسهم الحر، ويكون تأرجح الوسط تجاه اليمين أو تجاه اليسار تبعا لحجم الموارد المتروكة للأفراد وتلك التي تسيطر عليها الدولة، وأيضا مدى وحدود هذه السيطرة.

لقد قامت الليبرالية أساسا لكي تؤكد حق الفرد في الملكية، وأنها - أي الملكية - غريزة فطرية قد تعلو على كل الغرائز الأخرى؛ لذلك وأدها مستحيل أو على الأقل خطر محقق على الحياة الإنسانية السوية، وقصارى ما يمكن هو تحديدها بحدود وربطها بواجبات والتزامات، كالضرائب والجمارك وحقوق الطبقة العاملة التي لا تملك، وقال الليبراليون في هذا الصدد قولة عجيبة مفادها أن الشخص قد يتسامح في مقتل أبيه ولكنه لا يتسامح في الاستيلاء على ممتلكاته.

في مقابل هذا نجد الماركسية قد سميت الشيوعية

Communism ، أي أقصى صور اليسار أو الاشتراكية؛ لأنها تقوم من أجل إلغاء الملكية الفردية - أي الملكية الخاصة - وإشاعة الملكية بين الجميع عن طريق تحقيق الملكية العامة لوسائل الإنتاج؛ هذه الملكية العامة في رأي الماركسية، وفي الفكر الاشتراكي عموما بمتغيراته الجمة ومذاهبه العديدة، هي المفتاح الذهبي لحل كل المشاكل والخلاص من كافة البلايا والنوائب والتصدعات التي تشوب البنيان الاقتصادي والسياسي، ومن ثم الاجتماعي.

هكذا نجد أن الملكية هي مربط الفرس والمشكلة الأم التي تشغل الجميع، وباسمها تفرقوا إلى يمين ويسار متصارعين، وهي في الواقع أساس التنظيم الطبقي والاجتماعي عموما، وهي التي ربطت الاقتصاد والسياسة برباط عضوي؛ فالاقتصاد هو علم تنظيم الثروة في المجتمع، والسياسة هي علم تنظيم القوة في المجتمع، والثروة (= الملكيات) هي الوجه الآخر للقوة، حتى إن كلمة سلطة في الإنجليزية

authority ، وبسائر بدائلها في اللغات الهندوأوروبية، مشتقة من الكلمة اللاتينية

auctor

التي تعني المالك أو المحدث أو الممارس للحق؛ ومن هنا كان زيوس عند الإغريق - ونظيره جوبيتر عند الرومان - إله كل الآلهة، لأنه مالك الملك وصاحب السلطة على الآلهة والبشر على السواء.

| أصول الليبرالية

في العهود البدائية السحيقة من عمر البشرية، لم يكن ثمة بالطبع بنيان اجتماعي اقتصادي سياسي؛ ذلك لأنه لم يكن ثمة ملكية. وعلى حد تعبير طريف لأحد رواد الفكر الليبرالي هو جان جاك روسو (1712-1778م) أتت المشكلة من أول وغد وضع سياجا حول قطعة أرض، وقال هذه لي ولا شأن للآخرين بها، إنها ملكي! وقبل أن يأتي هذا الوغد لم يكن ثمة ملكيات، ولا حاجة لتنظيمها والحفاظ عليها؛ أجل كان ثمة فوضى، لكن كان الجميع أحرارا متساوين.

وحين استكمل الإنسان خروجه النهائي من فصيلة الحيوان، وبدأ يمارس أولى أنشطته الاقتصادية كالتقاط الثمار وصيد الحيوان ثم الزراعة، عرف قيمة العمل والإنتاج؛ وكان يحدث أن يسطو فرد كسول على إنتاج فرد آخر نشيط، وهو سطو قد يقتضي التعدي على الحياة ذاتها، مما جعل الإنسان على استعداد لهجر هذا الوضع المليء بالمخاوف والأخطار، حتى ولو كان هجرا يقتضي التنازل عن قطاع كبير من حريته للحاكم وللآخرين، إنقاذا للبقية الباقية من هذه الحرية. لقد ارتضى الجميع الدينوية لقوة أعلى تملك حق عقاب الخارجين والفصل بين المتنازعين، فيأتمر بأمرها جميع الأطراف. هكذا عرف الإنسان نظام الحكم والسلطة السياسية في المجتمع، والتي تطورت أيما تطور عبر تاريخه الطويل.

ركائز في فلسفة السياسة · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ركائز في فلسفة السياسةص ٤