تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مع الثورة الصناعية تضاعفت إمكانيات تشغيل رأس المال واستغلال الطبقة العاملة بصورة مهولة، فتبلورت كافة مساوئ النظام الرأسمالي، التي بلغت الذروة بظهور الاستعمار والإمبريالية الحديثة، ثم أدى التقدم العلمي التكنولوجي إلى قيام الصناعات الضخمة المتكاملة التي هي في غير حاجة لمهارات صغار العمال.

هذه الصناعات الضخمة المتكاملة القادرة على ابتلاع صغار المنافسين؛ لقد اكتسبت القدرة على الاحتكار، أي الانفراد بسوق السلعة، وبالتالي التحكم المطلق فيها وفي ثمنها، وهذا أدى إلى جعل الجميع - عمالا أو منتجين أو مستهلكين - فريسة سهلة لجشع أصحاب المال والأعمال، ثم إن الاحتكار الذي استشرى بصورة واسعة مع مطالع القرن العشرين كان كفيلا بأن يفقد الرأسمالية طابعها المميز الذي تنادي به وتدافع عنه الليبرالية، أي التنافس.

هكذا كان النتاج التاريخي لترك الملكيات الخاصة تنمو وتتراكم لا يبعث على الاطمئنان لأسس الليبرالية، خصوصا وأنه من الناحية الأخرى يولد من لن يرثوا شيئا، ولن يجدوا قطعة أرض ليجعلوها بواسطة عملهم وجهدهم وسيلة إنتاج. إن تعداد البشر يتزايد بصورة رهيبة، أو بمتوالية هندسية حسب تعبير مالتوس، والأرض ما زالت كما هي، وربما تعرضت لنحر البحر أو للتصحر، ولم يعد ثمة أية قطعة أرض أو مورد للإنتاج ليس ملكا لشخص أو لهيئة أو لدولة؛ وأصبح من المؤكد أن الشخص المعدم سوف يهلك جوعا قبل أن يجد قطعة أرض جرداء يحولها بواسطة عمله إلى وسيلة إنتاج تعد من ممتلكاته الشخصية؛ والمحصلة أن العمل ذاته قد أصبح مجرد سلعة يبيعها الشخص ليجد قوت يومه، أو أكثر أو أقل؛ ويا ليت هذا فحسب، بل أصبحت المشكلة الملحة هي إيجاد سوق لهذه السلعة المسماة بالعمل، والتي لا تملك الأغلبية العظمى شيئا سواها؛ إنها المشكلة المعروفة باسم البطالة والتي تؤرق العالم أجمع شرقا وغربا.

وقد بدأت مشكلة البطالة تميل إلى مؤشرات خطيرة منذ بداية العصور الحديثة، بل وقبيل أفول عصر الإقطاع؛ إذ انتشرت في تلك الآونة ظاهرة عرفت باسم ظاهرة «التسييج أو التسوير»؛ وهي أن يأتي واحد من الأشراف أو من ذوي البأس والنفوذ ليضع سياجا أو سورا حول قطعة أرض كانت في الأصل مشاعا يقطنها مزارعون ورعاة بسطاء فقراء يستخرجون منها بالكاد قوت يومهم، فتصبح الأرض ملكا خاصا لذلك الذي قام بتسييجها، ويهجرها قاطنوها البسطاء إلى المدن، والمدن تعاني أصلا من البطالة، فأصبح الذين لا يجدون عملا يقتاتون منه جحافل وجيوشا؛ ثم أخذت جحافل البطالة تنمو نموا سرطانيا مع نشأة وتطور التقدم العلمي التكنولوجي الذي استبدل بالصناعات اليدوية أنظمة التصنيع الآلي؛ فهي أولا تستغني عن عدد كبير من العمال، وثانيا تتمكن من استغلال النساء والأطفال بأجور زهيدة، أقل كثيرا من أجور الرجال الأصحاء ذوي القوة والقدرة على التحمل. هكذا تفاقمت البطالة، وتبعا لقانون العرض والطلب الذي سيظل دائما يحكم كل السلع في كل الأسواق، أصبح عمل الطبقة الكادحة - العمال المطحونين أو البروليتاريا - سلعة بخسة لا تكاد تفي بقوت اليوم، ولا أبسط مقتضيات الحياة الكريمة؛ ودع عنك تكوين الملكيات الخاصة والثروات.

لقد تبلورت مساوئ الرأسمالية، فتصاعد النقد الموجه لها؛ ظهر الفكر الاشتراكي لمواجهة ليبراليتها، بمذاهبه العديدة، مثل: الإيكارية والبلانكية والسان سيمونية والطوباوية والراديكالية والأكاديمية والتعاونية والفابية والفوضوية اللاسلطوية والماركسية ... إلخ. هكذا نجد المنظور الأنثروبولوجي ونموه وتطوراته أسهم بدوره في إعطاء التفسير لنشأة الصراع بين اليمين واليسار، ولكن ماذا عن نشأة الفكر الليبرالي وتطور الفلسفة الليبرالية؟

| تطور الفلسفة الليبرالية

ركائز في فلسفة السياسة · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ركائز في فلسفة السياسةص ٦