تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما من الناحية السياسية، فكانت غاية النظام الماركسي هي اضمحلال الدولة بوصفها دولة، ولأنها أداة اليمين، أداة الرجعية للحفاظ على البرجوازية؛ على الرغم من أن الماركسية نظام شمولي؛ وكان الفكر الفوضوي اللاسلطوي

anarchism

الذي ينادي بسقوط الدولة تيارا موازيا. وبينما نجد الليبرالية تعظم من شأن الفرد، وتحد من سلطة الدولة أو الجماعة، ومع هذا فإن الدولة في الليبرالية مؤسسة ضرورية لا غنى عنها البتة، ليس بوصفها غاية وإنما بوصفها وسيلة لتحقيق غاية أبعد تتمركز أخيرا حول الفرد، وهي تحقيق الأمن؛ النظام والقانون في الداخل، ودفع الأعداء الأجانب من الخارج؛ وذلك ضمانا للأجواء الصالحة لممارسة الحرية. ثم إن الدولة أداة لتحرير المواطنين من الجهل والمرض، عن طريق اضطلاعها بتقديم الخدمات التعليمية والصحية.

وكان النظام السياسي الماركسي هو الديكتاتورية - ديكتاتورية البروليتاريا - ولو حتى بصفة مؤقتة، ويقوم على أساس أن الجميع ارتضوا أيديولوجيا محددة واستكانوا إلى مذهب فلسفي معين. وفي مقابل هذا نجد النظام السياسي الليبرالي هو النقيض للديكتاتورية، ولأي استبداد بالسلطة أو انفراد بالرأي أو خضوع دوجماطيقي أو إلزام بمذهب معين؛ وذلك على أساس أن المبادئ النهائية التي تمثل الحقيقة الحقة لا وجود لها في إمكانيات البشر، ثمة فقط آراء تتفاوت صحة وبطلانا، وقصارى ما يستطيع الليبرالي تأكيده - كما أشار برتراند رسل

Bertrand Russell (1872-1970م) - هو أن ذلك الرأي يبدو له أصح من غيره؛ وبالتالي لا يغدو اختلاف الرأي مثارا للعداء وللزج في السجون والمعتقلات، ويتسع المجال للتسامح الديني وتحقيق الحرية الفكرية.

| ما هي الليبرالية؟

على أساس الدفاع عن الحرية والرأي الآخر تعد الليبرالية أساس الديمقراطية، ويشهد التاريخ أنها هي التي كافحت وجاهدت من أجل إرساء أسس الحكم الدستوري، وأنها هي التي علمت البشر أصوله، ووجوب استقلال السلطات عن بعضها؛ السلطة التنفيذية (= الحكومة والوزارة القائمة) عن السلطة التشريعية (= البرلمان والنواب أي مجلس الشعب في مصر) وعن السلطة القضائية، وأيضا - بل وأصلا - دافعت الليبرالية عن استقلال المواطن نفسه ما دام ملتزما بالقانون، وإطلاق حرياته في كافة المجالات إلى أقصى حد ممكن؛ وأهمها حرية الرأي والدين والفكر والاعتقاد والقول والفعل، وحرية انتخاب من يمثله، وإبداء رأيه في الاقتراع العام؛ مع ضرورة إقرار أكبر قسط ممكن من الوسائل التي تحد من تعسف الحكومات وتطاولها على حرياته. •••

لعلنا لاحظنا أن «الليبرالية» هي «مذهب الحرية»؛ حرية الفرد، وهذا هو على وجه الدقة المعنى اللغوي لمصطلح الليبرالية

Liberalism ، المأخوذ من اللفظة حرية

Liberty

في الإنجليزية و

Liberté

في الفرنسية وسائر البدائل في اللغات الأوروبية ذات الأصل اللاتيني؛ فهي راجعة إلى الاسم اللاتيني حرية

Libertas ، المشتق من الصفة حر

Liber ، التي تشير إلى وضع اجتماعي يفيد منزلة رفيعة وسجايا كريمة، وأساسه الانعتاق من العبودية، وأيضا من الأسر والسجن والجزية، كما تشير الصفة حر

liber

أيضا إلى غياب القهر والقسر والإرغام والإجبار والإكراه، في الفعل أو في الاختيار أو القرار ... إلخ، وسائر معوقات الحرية. الليبرالية إذن هي مذهب الحرية اسما ومضمونا. •••

على أن الحرية في واقع الأمر لم تكن هي الدافع أو المشكلة الملحة. المشكلة الحقيقية التي تستنفر الجميع لحلها، والتي هي أساس كل تنازع أو اختلاف حول يمين ويسار ووسط، هي مشكلة الملكية؛ أي حق الفرد في التملك أو الامتلاك، وليس المقصود طبعا امتلاك المقتنيات الشخصية والسلع الاستهلاكية كالملابس والأثاث وما إليه، بل المقصود ملكية وسائل الإنتاج كالمزارع والمراعي والمصانع والشركات والمتاجر الكبرى والمصارف.

ركائز في فلسفة السياسة · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ركائز في فلسفة السياسةص ٣