ولعل من أبرز ما يميز الفكر والواقع وجدليتهما في قرننا الحادي والعشرين، هو انتهاء عصر المركزية الغربية وبروز مراكز حضارية أخرى، وعلى وجه الخصوص تمثل نهضة شرق آسيا ومعدلات التحديث والتصنيع والتنمية المتصاعدة هنالك مركزا متألقا ونموذجا يحتذى، ليس فقط مع العملاقين اليابان الرائدة والصين الواعدة، بل أيضا مع بقية النمور الآسيوية المنطلقة بعزم أكيد.
لقد اقترنت المركزية الغربية بالاستعمارية والإمبريالية، وهما نتيجة من نواتج النمو الرأسمالي الذي وطدت له الليبرالية. والاستعمارية بدورها من المرتكزات التي سوف نتوقف عندها، ثم عند أفولها وبروز عصر ما بعد الاستعمارية المرتهن بعصر ما بعد الحداثة، وتحديدا عند واحد من أهم التيارات الفكرية الراهنة؛ أي الفلسفة النسوية وموقفها النقدي الراديكالي الرافض للمركزية الغربية والاستعمارية، ورؤيتها لحقوق الأقليات والطبقات المهمشة والشعوب والثقافات المقهورة، وللعولمة في مقابل القومية، وأخيرا ننتهي عند نقطة ساخنة حقا وهي الدفاع المشبوب عن القومية العربية، كواقع وكمثال.
ولعل الصفحات المقبلة التي تتناول هذه الركائز بالعرض والنقد والتحليل تساهم في ترسيم معالم للفكر السياسي والفلسفة السياسية الحديثة في ذهن القارئ.
وبالله قصد السبيل.
أ.د. يمنى طريف الخولي
منيل الروضة في 15 يناير 2008م
| أولا: اليمين واليسار
| اليمين الرأسمالي واليسار الاشتراكي
بشكل عام، يمثل اليمين موقف المحافظين الراغبين في الإبقاء على الوضع القائم، بينما يمثل اليسار موقف الثوريين الراغبين في التغيير؛ إما التغيير الفابي
1
أي التدريجي، وإما التغيير الراديكالي أي الجذري.
أما بالنسبة لليمين الرأسمالي واليسار الاشتراكي، فقد تبلورت الليبرالية في القرن الثامن عشر لتكون فلسفة نبيلة تدافع عن منطلقات الرأسمالية والحق في الملكية، فقد كانت الليبرالية أصلا من أجل الدفاع عن الطبقة الوسطى، طبقة صغار الملاك (= البرجوازية؛ أي سكان المدن)
2
التي كانت طبقة نامية آنذاك، وللبحث عن الاعتراف الكامل بها، بسائر حقوقها في الحياة والحرية والملكية. هذا في مواجهة طبقة الإقطاعيين التي كانت مهيمنة أساسا على الحياة الاقتصادية، وبالتالي على سائر جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في العصور الوسطى، وقد زوت طبقة الإقطاعيين بانتهاء العصور الوسطى وإشراقة العصر الحديث.
هكذا كانت الليبرالية في أصولها فلسفة الطبقة البرجوازية وفلسفة الملكية، وبالتالي تعني الليبرالية - من حيث هي فلسفة للرأسمالية - أن ترفع الدولة يدها عن وسائل الإنتاج وتترك ملكيتها للأفراد في تنافسهم الحر وصراعهم؛ وذلك تحقيقا للمبدأ المعروف باسم مبدأ الاقتصاد الحر
Laissez faire ، والذي يعبر عنه الشعار الليبرالي/الرأسمالي الشهير: دعه يعمل، دعه يمر، إن العالم يسير من تلقاء نفسه.
بل وتعني الليبرالية في أصولها ألا تتدخل الدولة في العلاقات الاقتصادية بين الأفراد، أو بين الجماعات، أو بين الطبقات؛ فكان التنافس هو الصورة العامة للاقتصاد الليبرالي.
هكذا باتت الليبرالية تمثل اليمين والحفاظ على الأمر الواقع، فتدافع عن الملكية الخاصة والطبقة المالكة (= البرجوازية) وتجسد قيمة التنافس، بينما تمثل الاشتراكية اليسار، فتقوم من أجل الملكية العامة - ملكية الدولة لا ملكية الأفراد - لوسائل الإنتاج لتحقيق العدالة الاجتماعية، وبحثا عن تغيير الأمر الواقع لمداواة عيوبه، بله الثورة عليه وعلى أشكال الظلم والقهر فيه، إنها تدافع عن حقوق الطبقة العاملة (= البروليتاريا) وعن التقارب الطبقي إجمالا وتجسد قيمة التعاون.
وكما سنرى، كانت الماركسية من أشهر صور الفكر الاشتراكي وأكثرها تطرفا، وبالطبع الماركسية هي فلسفة البروليتاريا أو الطبقة العاملة، في حين أن الليبرالية هي فلسفة البرجوازية أو الطبقة المالكة، وفي هذا نلاحظ أن الفكر الاشتراكي عموما والماركسية خصوصا هي فلسفة شمولية، تضع نصب أعينها الطبقة والجماهير، فيضيع الفرد في غمارها، هذا بينما الليبرالية فلسفة فردية، تضع الفرد نصب أعينها وترفع اهتمامها بالفرد فوق اهتمامها بالطبقة، أو على الأقل لا تربطه بعجلاتها وتترك له حرية الاستقلال عنها وعن أهدافها ومطامحها، من حيث تترك له كل حرية متاحة؛ إن الليبرالية هي المسئولة عن سمة الفردية وتقديسها والإعلاء من شأن الفرد، هذه السمة التي تسود الحضارة الغربية.