بدت أصوات المعارضين صيحات غوغاء أو همج متخلفين، حتى الذين أثبتوا بمناهج راقية أن العولمة التي يتحدثون عنها سوف تزيد الفقير فقرا والغني غنى، وتزداد الهوة بين الشمال والجنوب وبين العالم المتقدم والعالم المتخلف، ويزداد العالم ظلما وبؤسا، ضاعت أصواتهم في معمعان العولمة ولم يصغ إليهم أحد، ومثلهم الباحثون عن التنوع الثقافي الخلاق الذي يثري عالم الإنسان ويكسبه طابعه المميز. لقد باتت العولمة قوة كاسحة ولا سبيل إلا للحاق بركبها بقصارى ما نستطيع.
1
وقبل أن نفيق من هول العولمة، فاجأتنا قارعة الشرق الأوسط الكبير، وكأن الشرق الأوسط الصغير لم يعد يكفي لابتلاع وهم القومية العربية والعالم العربي والوجود العربي، ولا العولمة كفيلة بهذا، والكل منشغل الآن بالشرق الأوسط الجديد.
وعلينا أن نصادر على المطلوب، وأول المطلوب أن نتحرر من وهم تآمر الغرب علينا، نحن العرب والمسلمين.
لا تفكير مرضي في التآمر؛ العالم الغربي المتقدم بحكم تقدمه لا يريد إلا الخير والفلاح والصلاح للعالمين، والإنقاذ من براثن التخلف. كان الاستعمار الأوروبي البائد يستهدف العمران والعمار والتحديث، وكنتيجة جانبية يأتي تأمين مصادر المواد الخام لمصانعه والأسواق لمنتجاته، وتمتلئ خزائن أوروبا وتحكم السيطرة على المواقع الاستراتيجية لجيوشها وطرق التجارة العالمية. والآن قد آل عرش الهيمنة الغربية إلى الإمبريالية الأمريكية الراهنة، وهي بقروضها ومعوناتها ومبادراتها وضرباتها الوقائية واحتلالها العسكري والخراب والدمار وتدمير نظام الحكم في الدولة وتسريح الجيوش ونهب المتاحف ومقتنيات التراث الإنساني وخزائن البنوك؛ أمريكا بهذا لا تنشد إلا الديمقراطية والتعددية والحرية والمساواة وتمكين المرأة وتطوير التعليم وتأهيل الشباب لسوق العمل، وكنتيجة جانبية يأتي تأمين مصادر البترول ومواقع المصالح الاستراتيجية، ثم الخلاصة المستصفاة التي تجسد وتجرد كل الأهداف المعلنة والخفية، الظاهر منها والباطن، الناتئ والغائر، المكشوف والمستور؛ أي سؤدد دولة إسرائيل.
ينبغي أن نتقبل كل هذا حرصا على الحداثة والتقدم والوفرة والحرية والتعددية والديمقراطية، وكل ما تشتهي الأنفس وتقر به الأعين، وإن لم نقبل فلن تعني عروبتنا إلا شاهد قبر ولن يعني إسلامنا إلا التخلف والرجعية والسلفية والإظلامية وقهر المرأة ...
علينا أن نتقبل كل هذا على الرغم من أن لغتهم الإنجليزية تحوي كلمة سباب ليس لها مقابل في اللغة العربية، وهي
quisling
التي تعني على وجه التحديد القاموسي الدقيق: خائنا يبيع وطنه بأن يتعاون مع الاحتلال ويقبل الاشتراك في حكومة تشكلها قوات الاحتلال؛ وبالتالي فإن مجلس الحكم العراقي الذي نصبته أمريكا في أعقاب الغزو والاحتلال ليضم شراذم بعضهم شخصيات تافهة، وآخرين دخلاء لم يروا العراق إلا في أبريل 2003م، وعلى رأسهم فتى أمريكا المدلل أحمد الجلبي بصحيفة سوابقه الزاخرة وسطوه الشهير على بنك البتراء في الأردن وأحكام السجن الصادرة ضده؛ جميعهم «كويزلنج»، بل إن متابعة أخبارهم ولقاءاتهم تجعلنا نحن أيضا «كويزلنج».
لا غرو، ما دام العالم الغربي المتقدم لم يترك مفردة في قاموس الجرائم إلا وارتكبها من أجل تحرير العراق من الديكتاتورية وإسباغ الديمقراطية والتعددية والعلمانية عليها، كل الجرائم، بدءا من أفظع الجرائم وأكثرها هولا التي ترتكب في حقوق إنسان جوانتانامو والمعتقلات العراقية - بعد السجون الإسرائيلية - ومرورا بالكذب والغش والتضليل والتزييف والتزوير (مستندات شراء العراق اليورانيوم من النيجر) والرشوة والخروج على القانون الدولي والنصب على الدولة (الأسعار التي وردت بها شركة تشيني البترول إلى القوات الأمريكية في العراق) والتجسس على الأمم المتحدة وقتل آلاف البشر وتدمير حياتهم وبلدهم وتبديد تراث إنساني لا يعوض وانتهاء بالجريمة الأم وهي السطو المسلح على دولة ثرية.