تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحتى هذه اللحظة ما زال الجميع يضربون أخماسا في أسباع، ومع كل الشفافية التي تكفلها الديمقراطية، لا يعرف شخص واحد في أمريكا لماذا اتخذ بوش قرار الحرب على العراق، ولا يملك بوش نفسه إجابة محددة على هذا السؤال! ولا يهم أن يملك ما دام يستعد بمنتهى الديمقراطية لخوض الانتخابات من أجل فترة رئاسية أخرى، وما دام بلير متربعا على عرشه الذي علم البشرية معنى الديمقراطية ولا يزال.

وفي كل هذا ينبغي أن نصادر على المطلوب وهو أن الغرب يعني التقدم، أي الديمقراطية والتعددية والعلمانية والمعرفة والحرية وحقوق المرأة ... ولا بد من الذوبان في هذا التقدم لو أردنا البقاء. وإذا بحثنا أمر الإسلام، فالموقف التنويري التقدمي يفرض المصادرة على المطلوب، أي العمل على إثبات أن هذه المنطلقات التقدمية كائنة بصورة أو بأخرى في الإسلام، لتسهل سبل الذوبان في أطر التقدم، ويتحقق المنشود، وأي شيء غير هذه المصادرة على المطلوب هو معاداة للتقدم والتنوير وللتسامح والسلام وحوار الحضارات، ومعاداة للسامية أيضا.

لكننا اخترنا طريقا آخر غير المصادرة على المطلوب، طريقا قد يبدو استفزازيا، أولا لن خوض في أمر تلك المنطلقات؛ لأن المناهج الفلسفية تجعل أمرها يطول، خصوصا أن الفلسفة تعلمنا أنه لا تسليم قبليا بأية مقولة، مثلما تعلمنا أن مناهج المصادرة على المطلوب تفضي إلى تحصيل حاصل ولا ينجم عنها مكسب معرفي. سوف نبحث أمر الإسلام والغرب كما يطرح نفسه كتقابل بين كيانين حضاريين، لنسأل لماذا كان هذا التقابل إشكالية ملحة، ونسأل في هذا سياق التطور الحضاري. •••

هكذا قد يبدو أن إشكالية الإسلام والغرب، قبل أن تكون إشكالية التقدم والتخلف، هي إشكالية الأنا والآخر، أو منظومة التقابل بين الشرق والغرب، أو بين الحضارة العربية والإسلامية وبين الحضارة الأوروبية والأمريكية، وأن الطرف الثاني في موقع القوة واختار تحجيم الطرف الأول. وتلح الإشكالية وتغدو أزمة بل كارثة ساحقة ماحقة بعد أن تماهت الفوارق بين التبعية والاستقلال الحضاري، وترسم بديلا موقفا هامشيا هو التنازلات تلو التنازلات التي أصبحت تلامس حدود ثوابت الهوية، ووضع القومية موضع الاستفهام والعروبة موضع التشكيك والإسلام رديفا للرجعية، وبعد طول النضال والكفاح صارت التبعية تجلب وأحيانا تشترى!

مبادرة الشرق الأوسط الكبير حلقة أخرى ولعلها ليست الأخيرة في سلسلة طويلة، فقبلها كانت العولمة كما أشرنا، العولمة سبقها «النظام العالمي الجديد» الذي ظهر في مطالع تسعينيات القرن العشرين في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج الثانية. وفي إطار النظام العالمي الجديد ظهرت «الحرب الثقافية» ضد الثقافات المغايرة على العموم والثقافة الإسلامية على الخصوص بهدف تحجيمها والحيلولة دون وصولها إلى وضع ينازع الثقافة الغربية. والجلبة المحيطة الآن بالشرق الأوسط الكبير، أحاطت آنذاك بمقال و. س. لنيد «الدفاع عن الحضارة الغربية» بمجلة السياسة الخارجية الأمريكية، عدد 84، 1991م، ومقال صمويل هتنجتون الشهير جدا «الصدام بين الحضارات» بمجلة الشئون الخارجية، 1993م، حيث ناقش هتنجتون نظرية صراع الحضارات، واعتمد مفهوم «الحرب الثقافية». وخلاصة هذا المفهوم أنه بعد انتهاء الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية السوفيتية، ستكون الخطوط الفاصلة بين الحضارات هي خطوط القتال في المستقبل، بين الغرب وبين الحضارات غير الغربية الست، وأولها حضارة الإسلام. ويخلص هتنجتون إلى دعوة الغرب إلى الاتحاد كي يتصدى لهذا الخطر الزاحف من الشرق الإسلامي إلى الغرب والشمال. كما هو معلوم في إطار الحرب الثقافية المعلنة وغير المعلنة، ألح مفهوم «حوار الحضارات» وصار آنذاك شغلنا الشاغل وهمنا المقيم.

ركائز في فلسفة السياسة · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ركائز في فلسفة السياسةص ٣٠