شنت الرائدة الكبرى ساندرا هاردنج حملة شرسة على المركزية الغربية والعقبات الإبستمولوجية للإمبريالية. رأت الحرب العالمية الثانية بما حملته من كوارث هيروشيما وموت ودمار رهيب قد كشف عن زيف التسليم الوضعي بالعلم والفصل بينه وبين التكنولوجيا والعوامل الاجتماعية، مثلما كانت هذه الحرب هي نهاية مشروع إقامة مستعمرات غربية. إنه عصر ما بعد الاستعمار الذي يدعونا إلى الوصول لنماذج أكثر دقة للأنساق المعرفية ولدور الذات العارفة، نماذج أكثر ديمقراطية تكشف عن علم هو نتاج لثقافات متعددة؛ وذلك عن طريق تنضيد العقبات الإبستمولوجية الناجمة عن التحرر والتطور في العالم الثالث، وإعادة النظر في مفهوم عالمية العلم، وأخرجت كتابيها الرائعين «هل العلم متعدد الثقافات: ما بعد الاستعمارية والنسوية والإبستمولوجيا» (1998م)، و«نقض مركزية المركز: الفلسفة من أجل عالم متعدد الثقافات بعد استعماري ونسوي» (2000م)، وصادرت منذ البداية في كتابها الرائد «سؤال العلم في النسوية» على أن استبعاد المركزية الذكورية من العلم هو استبعاد للعنصرية والاستعمارية والرأسمالية، وإذا كان الكفاح ضد هذا بدا أهم من الكفاح النسوي ضد السيطرة الذكورية، فإن قضية المرأة لا تنفصل عن كل هذا. وحق قول ساندرا هاردنج إن الفلسفة النسوية منزع نقدي «مثلها في هذا مثل كل حركة نقد لوضع قائم ينطوي على أشكال للظلم والغبن، مثل كل أشكال الكفاح ضد العنصرية والاستعمارية والرأسمالية، ومثل الحركات الثقافية المضادة وثورة الشباب في الستينيات، وحركات الدفاع عن البيئة ومناهضة الجهود العسكرية. كل هذه الاتجاهات النقدية توقفت عند مثالب استغلال العلم، لكن النقد النسوي يلامس عصبا عاريا».
وأخيرا لا نملك بإزاء هذه الفلسفة الرائعة النبيلة أو بالتعبير النسوي الفلسفة الجميلة، إلا القول بأنها كانت تملك حيثياتها في العقود الأخيرة من القرن العشرين ما دام الاستعمار بدا آنذاك وكأنه ملف أغلق نهائيا، شأنه شأن العبودية ووباء الطاعون وما إليه، والموجع حقا أن عاد الاستعمار العسكري السافر مجددا مع إطلالة القرن الحادي والعشرين، في العراق وأفغانستان، فضلا عن الهم المقيم والحزن القديم في فلسطين، ولا عزاء للفلسفات بعد الاستعمارية وسيدات النسوية الغربية. أما بالنسبة لنا في المشرق العربي فلا عزاء للسيدات ولا للرجال.
انتهى الاستعمار الأوروبي ليصعد الاستعمار الأمريكي، مصداقا لقول شاعر القوم أمل دنقل: لا تحلموا بعالم سعيد، فخلف كل قيصر يموت، قيصر جديد.
| حاشية
القومية العربية في المعمعان
ربما كانت الصفحات القادمة دفاعا مشبوبا عن مفهوم القومية العربية في معمعان القرن الحادي والعشرين، إلا أنها على أية حال لا تخلو من تحليلات فلسفية، فضلا عن أن مفهوم «القومية» بشكل عام و«القومية العربية» بشكل خاص، من ركائز الفكر السياسي ومن معالم الفلسفة السياسية الحديثة؛ على أية حال، فقد جعلناها محض حاشية ختامية.
1
| القومية العربية في المعمعان
لم نفق بعد من قارعة العولمة التي نزلت على أم رءوسنا، لتغدو شغلنا الشاغل وهمنا المقيم ليلا ونهارا، وحتى وقت قريب كان يصعب أن يمضي يوم دون أن يعقد مؤتمر أو ندوة أو أمسية ثقافية أو ملتقى على أعلى مستوى لمناقشة موضوع العولمة، واحتلت موقعها في صدر عناوين المطبوعات، تنافست سائر الجهات المعنية، وأحيانا غير المعنية، لإصدار الكتب والبحوث والدراسات والمقالات حول العولمة، وبات من الضروري أن يستقر رأي المتبصرين والمستنيرين وأولي الأمر على أن العالم أصبح قرية كونية واحدة، وبالتالي أصبحت العولمة شريعة العصر وقانون الوجود، تيار دافق لا مندوحة عن أن نمخر عبابه ونجيد السباحة فيه. من يتوانى ليتمسك بأهداب القومية والهوية والوطنية وتحقيق الذات، ودع عنك المقدسات والأعراف والقيم المطلقة وما إليه، فهو متخلف يخوض في أطلال دوارس، عاجز عن مواكبة روح العصر، وسوف يجرفه التيار العولمي الدافق، ليلقي به في مقلب نفايات التاريخ.