تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولا، كلاهما انشغل بقضية إصلاح الأزهر ورسالته في القرن العشرين. ومن الأعمال المتميزة لأمين الخولي بحثه «رسالة الأزهر في القرن العشرين»، إذ كانت وزارة علي ماهر قد أعلنت عام 1936 عن مسابقة في عدة مواضيع، منها هذا الموضوع. وكان أمين الخولي قد انتهى من بحثه هذا قبل الإعلان عن المسابقة، ولأنه اختير عضوا في لجنة التحكيم فلم يتقدم ببحثه، وأهداه إلى الأزهر بعد صدور الحكم.

نشر الأزهر طبعة أولى لهذا البحث، ونفذت فورا، وتوالت طبعاته فيما بعد، والجدير بالذكر أن الخولي بدأه بالدهشة والتهكم من أن تشغلنا رسالة الأزهر في القرن العشرين الميلادي وليس في القرن الرابع عشر الهجري.

المهم أن نلاحظ كيف أن كلا من الأستاذ الإمام محمد عبده، والشيخ المجدد أمين الخولي قد انشغل بقضية إصلاح الأزهر الشريف ورسالته في القرن العشرين، كلاهما أبلى فيها، وأيضا كلاهما دخل في صدام عات مع شيوخه المتعنتين الذين دأبوا فيما مضى على معارضة أي إصلاح؛ فرفضوا دعوى الخولي الحارة في الربط بين الدين والحياة. وفي النهاية أخفق كلاهما ولم يحقق أهدافه، فعلق آماله في إصلاح التعليم على الجامعة المصرية.

ولكن محمد عبده كانت الجامعة بالنسبة له أملا وحلما - حلما انهار - فقد استطاع إقناع صديقه المنشاوي باشا «فأبدى استعداده لإقامة الجامعة على نفقته بأراضيه بقرية بسوس قرب القناطر الخيرية، لكن وفاة المنشاوي باشا عصفت بالفكرة، ثم لحق به محمد عبده»

22

ولم يريا ميلاد الجامعة عام 1908. أما بالنسبة للخولي، كانت الجامعة واقعا ماثلا، بل هي واقعه الأول، حلبة كفاحه وساحة نضاله الذي أتى بكثير من الثمار المرجوة. وكان يؤكد دائما أن تدريسه في كلية الآداب بالجامعة المصرية - جامعة القاهرة الآن - هو مهمته الكبرى، وأن صناعته لعقول الطلاب إنجازه الأعظم، وانتشر تلاميذ له في مواقع شتى من حياتنا الأكاديمية والثقافية، فزادوها ثراء بما تعلموه واكتسبوه من روح الأستاذ المعلم أمين الخولي «شيخ الأمناء»، الجماعة التي ضمت هؤلاء التلاميذ بريادته.

لم يدرس الخولي في الأزهر - بل في مدرسة القضاء الشرعي - لكن درس فيه. نذكر من هذا أول ما يدرس من الفلسفة رسميا في العهد الجديد للأزهر، إنه محاضراته غير المنشورة «كناش في الفلسفة وتاريخها» سنة 1934، فأهداها «إلى روح الأستاذ الإمام».

23

للخولي ثلاث مجموعات من المحاضرات في الفلسفة غير منشورة، فثمة «كناش» و«كتاب الخير» و«تاريخ الملل والنحل» تبدو لنا ذات أهمية ريادية لعهدها المبكر. ولا نعلم لماذا لم ينشرها؟ بصفة عامة لم يكن نشر الكتب يغري الخولي كثيرا. همه الأكبر - كما ذكرنا - في صناعة التلاميذ، وكان يسميهم «أبناءه من العقل» في مقابل «أبنائه من الصلب» وهم بنوه الطبيعيون.

من ناحية أخرى، نلاحظ - مثلا - أن محمد عبده قد أشار إلى «اقتباس الإصلاح الديني في أوروبة من الإسلام»

24

فتطورت هذه الفكرة عند الخولي إلى بحثه «صلة الإسلام بإصلاح المسيحية» والذي ألقاه في مؤتمر تاريخ الأديان الدولي السادس، المنعقد بمدينة بروكسل من 16-20 سبتمبر 1935.

25

كما رفض محمد عبده البلاغة التي أفسدتها الفلسفة، ورام إصلاحا فيها يسير بها نحو النمط الذي يربي الذوق ويرقي الوجدان.

26

ويمكن القول إن هذا هو الأساس الأولي الذي تنامى وتصاعد باسقا في شكل دروس الخولي في البلاغة، أو فن القول بتعبيره، ويراها اللغويون أثمن ما خلفه الخولي.

ونعود إلى موضوعنا الأساسي: تجديد الفكر الديني؛ لنجد مدرسة الأفغاني/عبده في ريادتها للتيار الإصلاحي، قد شقت تيارا عميقا وممتدا في الفكر العربي الحديث والمعاصر، يرتاد الخطوط الباحثة عن عقلنة الإسلام وتحديثه. ولكن - كما أشار المنظر البارع للفكر العربي حسين مروة: «على الرغم من أهمية مدرسة الأفغاني/عبده في تصديح جدار التصديق المطلق للتراث، فإنها لم تضع منهجا يغير من المناهج التقليدية الشائعة تغييرا عميقا. وذلك لارتباطها بالأسس الأيدلوجية نفسها التي قامت عليها تلك المناهج التقليدية. ثم نضجت هذه المدرسة بفعل التحولات المتصاعدة لحركة التحرر الوطني وتطور مستوى المعارف والمناهج لدى الباحثين العرب.»

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ٩