27
ولا شك أن أمين الخولي من الذين قاموا بدور كبير في ذلك التطوير للمناهج ومستوى المعارف، والذي نجم عنه صور ذات ثراء وفعالية لم تطف بخلد المؤسسين الأفغاني وعبده، وتعمر الآن ميدان الفكر العربي المعاصر. (6) التجديد حياة وتطورا وارتقاء
وكانت جهود الخولي في منهجية التجديد عميقة الأصول ومترامية الحدود، وغزيرة المضمون، ومتعددة العناصر. لكننا نلتقط منها خيطا بدا لنا مفتاحا يفض مغاليق، مما يلقي ضوءا كثيفا على أهمية ميراث الخولي.
ذلك أن هاجس الحياة والارتباط بالواقع الحضاري الحي كان مهيمنا على فكر الخولي، حتى قيل إن الحياة والحيوية أكثر الكلمات شيوعا في كتاباته وأحاديثه؛
28
لذلك كان من السهل أن يبلغ التجديد الديني معه مقولة «التطور» ذاتها؛ ليكون طبيعيا متأصلا سائرا نحو الأصلح والأكمل والأكثر بقاء.
والواقع أن بحثنا هذا في تجديد الفكر الديني عند الخولي، قد انطلق أصلا من تلكم النقطة شديدة الأهمية والتميز في ميراثه، ألا وهي تشغيله الحذر البارع لمقولة التطور والانتخاب الطبيعي ... النشوء والارتقاء والبقاء للأصلح.
نظرية التطور - كما هو معروف - مجرد نظرية بيولوجية؛ أي محاولة لوصف وتفسير نشوء ظاهرة الحياة على سطح، وارتقائها عن طريق الانتخاب الطبيعي - حتى بلوغها الشكل الراهن. وعلى الرغم من أنها من الوجهة العلمية البيولوجية تحوي ثغرات ومواطن قصور جمة،
29
كما أوضح كثيرون، من أكفئهم فيلسوف العلم البارز كارل بوبر
K. Popper (1902-1994)، فإنها - بتعبير بوبر نفسه - برنامج بحث ميتافيزيقي ممتاز،
30
وحتى هذه اللحظة لا يوجد بديل لها، وأبدت خصوبة وفعالية فرضتا التسليم بها كنظرية عامة لسائر علوم الحياة، فضلا عن خصوبتها في مجالات أخرى عديدة، تتجاوز كثيرا ظاهرة الحياة، كما سنرى مع أمين الخولي لا سواه.
بادئ ذي بدء نرى أمين الخولي في صدر شبابه يوفد إماما للمفوضية المصرية في روما ثم في برلين. وفور عودته من ألمانيا عام 1927 انتدب للتدريس في الأزهر، فيلقي على طلاب كلية أصول الدين محاضرات في التاريخ العام لفلسفة الأخلاق، أو كما أسماها الفلسفة الأدبية.
31
وما أن يأتي للعصر الحديث حتى يحلو له أن يقدم فلسفته الخلقية بأسرها من مدخل، أو في إطار شامل هو نظرية التطور وفلسفة النشوء والارتقاء. وهل يمكن اختزال الفلسفة الحديثة للأخلاق بسائر اتجاهاتها وفروعها فقط في التيار التطوري؟ ما لم ينطو هذا على وجهة نظر حادة للمحاضر نحو تحبيذ وتأييد هذا التيار. وبلغ حيود الخولي في هذا الاتجاه حدا غير مقبول، حين يحشر توماس هل جرين
Th. H. Green (+ 1882) في زمرة فلاسفة الأخلاق التطوريين! في حين أن جرين من تيار مقابل تماما للتيار العلمي التطوري، ألا وهو «المثالية المحدثة»، ليمثل جرين انتقاله من ألمانيا إلى العالم الأنجلو سكسوني في إنجلترا،
32
ويبرر الخولي هذا بتأويل متعسف يصعب قبوله وهو أن فلاسفة التطور - المتفق عليهم - يبحثون في نشوء المثل الخلقية وارتقائها - كما هو معروف - عبر الماضي، أما «توماس هل جرين» فيبحث عن هذا من زاوية الغاية، أو المستقبل!
33
على أية حال يقدم الخولي لطلابه عرضا جيدا لنظرية التطور مع إمامها تشارلز دارون
Ch. Darwin (+ 1822)، مع الإشارة إلى الرواد الآخرين لامارك
J. Lamarck (+ 1829)، و ألفرد والاس
A. Wallace (+ 1913). وببيانه المحكم البديع، يوضح الخولي كيفية تفسيرها للحياة، فأنواع الأحياء - وعلى رأسها الإنسان - لم تظهر هكذا منذ خلقت، بل هي دائمة التغير من حال إلى حال، وبهذا تتطور من البساطة إلى التركيب المتدرج بالتغير والتطور تنشأ بعض الأنواع عن بعض، وترتقي بعمل ناموس الانتخاب الطبيعي - بقاء الأصلح للحياة وانقراض ما عداه. ويتهكم الخولي من رد النظرية إلى القول الدارج: إن الإنسان أصله قرد! ولا يفوته تعداد مواطن القصور المعروفة فيها.