تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما لاحظنا تجديد الفكر الديني يستدعي بالضرورة قضية الموقف من التراث، والتي هي في تقاطعها مع قضية الموقف من الغرب، هيكل الشغل الشاغل للفكر العربي الحديث، حتى يمكن القول إنها هي التي ترسم حدود خريطته. إنها مشكلة الأصالة والمعاصرة الشهيرة، أو بتعبير آخر هي مشكلة التراث والتجديد.

والتيار الإصلاحي الذي شقه محمد عبده - كما رأينا - قد تمثل هذه القضية - الموقف من التراث - تماما. أما أمين الخولي فإن تجديده الأصولي ذروة من ذرى هذا التمثيل، ونحن نتمسك بأن الموضع السليم لأمين الخولي في منظومة الفكر العربي، أو على خريطته، إنما هو في امتداد هذا التيار الإصلاحي.

والآن أصبح الفكر العربي الحديث حقلا خصيبا للدراسة، وميدانا فسيحا للبحث والتنظير. خرجت تنظيرات عديدة لموقع أمين الخولي فيه

17

ولعل أدعاها للنقاش رؤية د. طيب تيزيني؛ لأنه مفكر بارع وتنظيراته للفكر العربي الحديث ذات شأن، ليندهش المرء من إصراره على وضع أمين الخولي في إطار ما أسماه: النزعة التحييدية للتراث في فرعها الوثائقي، التي بزعم الدفاع عن حرمة العلم ترى الحقيقة التاريخية الكاملة مجسدة في الوثيقة بعيدا عن ممارسة التفسير والتقويم التاريخي والتراثي لها،

18

مما يعني نفي النظرة التاريخية والأيديولوجية للتراث؛ أي نفي النظر إليه في إطار عصره ومقتضيات واقعه الحضاري، ومن خلال المشكلات والآفاق المعاصرة للتقدم والتخلف، وبالتالي من خلال ضبط طرحنا للتراث بضوابط اللحظة المعاصرة في واقعنا، بكل ما تنطوي عليه من مضامين اجتماعية واقتصادية وقومية وأخلاقية

19 - أينفي الخولي كل هذا؟! رغم اعتراف تيزيني بأن الخولي يشير إلى أفكار مسيسة للتراث، أصر على أن أمين الخولي يرى من الخير تأجيل الانتفاع بالتراث إلى ما بعد اقتفاء أصوله جميعا. والخولي لهذا تحييدي وثائقي!

لقد اعتمد تيزيني على ندوة ببيروت تحت عنوان «التراث: كيف نعمل على إحيائه»،

20

اشترك فيها الخولي. يقول تيزيني: «تهيمن على المنتدبين فكرة توثيق التراث بشكل يدعو إلى الاعتقاد بأن هؤلاء يرون مهمة الباحث في التراث العربي تكمن في إحيائه عن طريق جمعه وتحقيقه وإخراجه للناس. وإذا كانت هناك إشارات متعلقة بالأبعاد القومية فهي سريعة وضحلة وتنظر إلى التراث باعتباره تركة، والسؤال: كيف نتملكها جيدا؟»

21

وعلى أساس هذه الندوة كان حكمه بأن الخولي يندرج في إطار النزعة التحييدية للتراث - الوثائقية. وهنا نجد خطأ تيزيني في أخذ الجزء على أنه الكل، والمرحلة على أنها الغاية. لا شك أن الخولي - كأستاذ وكأصولي - يهتم كثيرا بتوثيق وتحقيق التراث وإخراجه، ولكن ليس كموقف نهائي وإطار منظومي له، بل فقط كخطوة ضرورية من أجل التجديد والتثوير وسد مقتضيات العصر، وما لا يبعد كثيرا عن هدف تيزيني نفسه.

فكيف يزعم أن الخولي - وهو المجدد الأعظم - ينفي النظرة التاريخية للتراث (وينفي معها

الفصل الثالث

من هذا الكتاب)، ومجرد مصطلح الجدة لا يتأتى إلا في سياقها. فالجدة تعني التمايز عن القديم واختلاف الحاضر عن الماضي. وماذا تكون النظرة التاريخية سوى الإدراك الواعي لهذا التمايز والاختلاف، كشرط ضروري للتجديد.

كلا، ليس التوثيق الأكاديمي للتراث هو البطاقة النهائية للخولي - كما رأى طيب تيزيني - فهذا التوثيق في إطار قتل القديم بحثا وفهما ودراسة، فقط كمعبر إلى التجديد الأصولي والتنهيض على الإجمال من أجل الخدمة المخلصة الجادة والعميقة لذلك التيار الإصلاحي الذي عبده عبده، والذي في سويدائه موقع أمين الخولي على خريطة الفكر العربي المعاصر. (5) مزيد من التواصل

خطوط التواصل بين محمد عبده وأمين الخولي أكثر مما يمكن نفيه، أو حتى اللجاج فيه، وإن كانت جميعها تصب في التيار الإصلاحي ومنحاه التجديدي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ٨