7
وكان سلاحه الماضي في كفاحه التجديدي هو «تآخي الدين والعقل في الإسلام.»
8
فالإسلام دين العقل يعمل دائما على استثارته ويدعو إلى استعماله. يقول الأستاذ الإمام: «لو أردت سرد جميع الآيات التي تدعو إلى النظر في آيات الكون، لأتيت بأكثر من ثلث القرآن، بل من نصفه.»
9
والقرآن في هذا «يقصد تحريكا» للعبرة، وتذكيرا بالنعمة وحفزا للفكرة، لا تقريرا لقواعد الطبيعة، ولا إلزاما باعتقاد خاص في الخليفة، وهو في الاستدلال على التوحيد لم يفارق هذا السبيل.»
10
من هنا كان الأصل الأول من أصول الإسلام عند محمد عبده هو النظر العقلي لتحصيل الإيمان، والأصل الثاني هو تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض بينهما، وكان محمد عبده بهذا يعلن حقوق الفكر الحر، مؤكدا أنه واجب على الموجود العاقل.
والنتيجة الطبيعية المنطقية لهذا أن ينتقل محمد عبده إلى تأكيد ضرورة التجديد، ورفض الجمود والتقليد. فالدين عنده شعور فطري، لكن فطرية الشعور الديني لا تمنع الدين من أن يتطور بترقي الإنسانية، حتى بلغ كماله في الدين الإسلامي. وها هنا تظل الضرورة الحيوية هي «ضرورة تجديد بناء عقائدنا تجديدا موصولا كي تلائم تغيرات الموجودات»،
11
وهذا التجديد يجعل الدين مسايرا لحركة العلم المطردة التغير والتقدم، ويجعل العلاقة بين الدين وبين الحياة سائرة قدما، وتبرأ من اهتراء أصابها ردحا من الزمن.
كان محمد عبده يقول إن الناس تحدث لهم باختلاف الزمان أمور ووقائع لم يرد لها ذكر في كتب الفقه القديمة، فهل نوقف سير العالم لأجل كتبهم؟ إن هذا لا يستطاع، إنه جمود وموات يجعل العوام ينصرفون عن دينهم الذي لا يجاري وقائع حياتهم.
12
أجل! يجب أن نسير في وجودنا الحاضر مهتدين بتجارب السلف، لكن ليس من واجبنا أن نقبل جميع ما يؤثر عنهم من تقاليد دون فحص أو تمحيص، بل ينبغي أن نستعمل فيه تفكيرنا، فإذا وجدناها صحيحة - ومعنى هذا أنها موافقة للعقل - قبلناها، وإلا رفضناها «هذا البحث الحر، وهذه الحاسة الناقدة فيما يرى محمد عبده، هي ما يميز الحيوان الناطق عن سائر الحيوان»
13
الذي لا يعرف تغيرا ولا تقدما.
وهذا الموقف من تراث السلف هو ما تبلور عند أمين الخولي في قولته الشهيرة: هم رجال ونحن رجال، لهم عصرهم ولنا عصرنا، نتعلم منهم ولا نحذو حذوهم النعل بالنعل.
وإذا كان أمين الخولي يؤثم المقلد الرافض للتجديد، فإن الأمر قد سبق أن بلغ بمحمد عبده حد اعتبار المقلد كافرا؛ لأنه مردد وليس مستيقنا من الأصول، وأسهب عبده في التعبير عن ضيقه من التقليد والجمود على القديم، وراح في تعداد مفاسد هذا الجمود ونتائجه - أو بتعبيره - جناياته على اللغة والنظام والاجتماع والشريعة وأهلها، وعلى العقيدة، وفي نظم التعليم. وبعد أن هوى بمعوله على معاقل الجمود جميعها في هذه المواقع وسواها، راح يستدل ويؤكد أنه علة تزول لأنه مما لا يصح أن ينسب إلى الإسلام،
14
فالإسلام كما يقول الأستاذ الإمام: «أنحى على التقليد وحمل عليه حملته، لم يردها عنه القدر، فبددت فيالقه المتغلبة على النفوس، واقتلعت أصوله الراسخة في المدارك، ونسفت ما كان له من دعائم وأركان في عقائد الأمم، وصاح بالعقل صيحة أزعجته من سباته وهبت به من نومة طال عليه الغيب فيها.»
15
لقد أكد الإسلام أن الإنسان لم يخلق ليقاد، بل ليهتدي، وصرف القلوب عن التعلق بما كان عليه الآباء، ونبه على أن السبق في الزمان ليس آية من آيات العرفان.
16
هكذا، على أساس من إيقاظ الإسلام للعقل وإبطاله التقليد، انطلقت دعوة التجديد الديني من رحاب الأستاذ الإمام محمد عبده، وتحولت إلى قوة تثويرية نابضة بفعل صحبته الحميمة للمناضل الرائد السيد جمال الدين الأفغاني (1838-1897).
إنها قوة شقت طريق التيار الإصلاحي، المنطلق من المقدمة التي رأيناها مع عبده، ومفادها أن الجمود على القديم هو العلة المباشرة لتخلفنا وخروجنا من مسار التاريخ، فضلا عن دورة التقدم. وكان هذا هو الطريق الذي سار فيه أمين الخولي إلى غايته، حتى إن التجديد عنده ليس إلا حماية المجتمع من العوامل المفسدة لأمره - عوامل الجمود والتخلف. (4) على خريطة الفكر العربي الحديث