تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انطلقت جهودهم في جملتها من الثبات البنيوي في حضارتنا - النص الديني والتراث - نحو استشراف روح العصر وقيم الحداثة التي تبلورت في تجربة الحضارة الأوروبية. كانت انطلاقة ساهمت في ترسيمها خطوط متفاوتة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من أعمق جذور الأصالة إلى أبعد آفاق المعاصرة، خطوط سلفية وإصلاحية وتحديثية وعلمية وعلمانية توفيقية وليبرالية واشتراكية، تحاورت جميعها في أجواء متفتحة مواتية، نجدها الآن! أكثر مواءمة لقيم العقلانية النقدية، وأشد نزوعا لغاية «التجديد» التي يناط بها تحديث وجودنا الحضاري بتميزه، ومن ثم التنهيض المرجو والتنمية. (2) شيخ التجديد

في هذا المناخ الموار كان الدور الريادي الذي لعبه الشيخ أمين الخولي، بتمكنه الأستاذي من التراث ونصوصه - من أصوليات حضارتنا - لينذر جهوده لقضايا التجديد. فكان بحق شيخ الأصوليين في التجديد، وشيخ المجددين في الأصولية؛

1

إيمانا منه بالماضي كركيزة، والحاضر كحياة متوثبة، وبالحوار الدائم بينهما ليتفاعلا ويتلاقحا فيثمرا المستقبل المأمول.

رفع شعاره الشهير والسديد: أول التجديد قتل القديم فهما وبحثا ودراسة، «أما إذا مضى المجدد برغبة في التجديد مبهمة، وتقدم بجهالة للماضي وغفلة عنه، يهدم ويحطم ويشمئز ويتهكم، فذلكم - وقيتم شره - تبديد لا تجديد.»

2

هكذا كان الخولي يبث «أصول» التجديد في كل المجالات المتصلة بإسهامه: التجديد في اللغة ونحوها، في البلاغة وجمالياتها، في الأدب ونقده، في تفسير القرآن، وفي الفكر الديني ... وحتى حين تعرض لترجمة إمام من عصر التدوين، لن يحمل خطوطا تجديدية بل فقط أصول السلفية، هو الإمام مالك بن أنس (90-179ه / 708-795م)، حتى في هذا أعطى الخولي درسا تجديديا في أصول تحرير التراجم

3

و«ثارت بينه وبين العقاد معركة أدبية شهيرة حول كتابة التراجم.»

4

لذلك قيل عن الخولي - بحق - أنه في كل إسهاماته قد «حرر عقله من سلطان التقليد الذي يبطل الإرادة الحرة، ويميت روح الإبداع، ويشل حركة العقل، فبعدت مطارح أفكاره، وسما في نظر طلابه، ودأب على سموه في كل يوم في النفوس والعقول معا.»

5

لقد تأتت إسهامات الخولي - جهوده الأصولية التجديدية في مجالات تجعلها بنية حضارتنا في موقع ثقافي محوري، فضلا عن ارتكازها على الثابت البنيوي فيها - النص الديني/القرآن الكريم، فلم يكن للتجديد في هذه المجالات - عند الخولي - إلا طريق واحد هو النظر العلمي الذي لا يستقيم بغير الفهم العميق للقرآن الكريم، بل وجاهر الخولي بأن هذا الفهم ليس سهلا لمن لا يتذوقون العربية،

6

ومهما فعل المستشرقون، ومهما بذلوا من جهود رصينة، لن يستطيعوا النفاذ إلى جوهر القرآن، بعبارة أخرى هذا التجديد مهمة منوطة بنا وحدنا، واجب علينا وحق لنا.

وفي خضم الخطوط التجديدية العديدة، المتوازية والمتحاورة، التي خطها الخولي سوف نتوقف في بحثنا هذا عند الخط الذي يتماس مع أخطر ما في حضارتنا، والأعمق في عقولنا ونفوسنا وضمائرنا، ألا وهو خط وخطة الخولي في تجديد الفكر الديني، لنخلص إلى أنه ليس حقا وواجبا فحسب، بل هو الآن طوق النجاة لنا من الضياع الحضاري والانسحاق الثقافي وتشويه الهوية. (3) الأستاذ الإمام يشق الطريق

إذن يستوقفنا من ميراث أمين الخولي مقولة تجديد الفكر الديني في تفاعلها مع مقتضيات الواقع العربي الحديث.

لا بد إذن من العود بها إلى أصولها، فلم يكن الخولي بتجديده للفكر الديني إلا سائرا في طريق سبق أن ترسمت معالمه وتشكلت تضاريسه في خريطة الفكر العربي الحديث، وبفعل جهود دءوبة لرواد أسبق، يتقدمهم بجدارة الشيخ محمد عبده (1849-1905) الأستاذ الإمام، إمام المجددين، وقائد جيش الهجوم على التقليد، والذي هوى بمعوله على معاقل المرض الخبيث «مرض الجمود على الموجود»،

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ٦