تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخيرا لنا أن نطالب التفكير العلمي بمثل هذه الاستنارة، وأن يعترف هو الآخر باستقلالية وحرمة المجال الديني، ويدرك حدود وقصورات التفكير العلمي، ولا يتهور في نفي ما يتجاوزها.

ويحضرنا في هذا الصدد فيلسوف العلم المتمكن «بول فييرآبند» (1924-1994) الذي تساءل بدهشة: هل العلم الغربي المجيد مطية للعقم والخواء والإجداب ونفي ما عداه من جوانب حضارية أخرى؟ إن حرمنا الإنسان منها أصابه تصحر وجفاف لا يطاق.

واستغل فييرآبند تمكنه من ظاهرة العلم وفلسفته وتاريخه، ليؤكد أن العلم ليس كل شيء وليس معرفة فائقة تقهر كل ما عداها، بل هو تقليد ضمن تقاليد حضارية أخرية، أهمها الدين، وثمة أيضا الأعراف وحكمة الشعوب وثقافات العالم الثالث. وأكد فييرآبند أن المجتمع الحر حقا لا يقوم على نظرية جزئية هي النظرة العلمية فقط، أو على عقلانية واحدة هي العقلانية العلمية، بل يقوم المجتمع الحر على تعددية التقاليد، وسيادة روح التعاون بينها، وأيضا التعاون بين الأمم جميعا، وليس سيادة الغرب فقط.

12

لأن الإنسان في حاجة إلى العلم وإلى الدين، فهو في حاجة لاعتراف كليهما بالآخر، والاستقلالية والاحترام المتبادل بينهما، تلك هي الاستنارة الدينية والعلمية على السواء.

الفصل الخامس

| قتل القديم بحثا

الأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في التراث العربي

1

علم الطبيعة دائما ذو موقع استراتيجي، موضوعه هو مجمل حلبة عالم العلم التي تصب فيها شتى فروع العلم، فيتربع العلم الفيزيوكيماوي على صدر نسق العلم الحديث، كجسده وجذعه وإنجازه الأعظم، بغض النظر عن تقاناته التي شقت أجواز الفضاء - حقيقة لا مجازا.

وفلسفة الطبيعة هي السلف المباشر للعلم الفيزويوكيماوي الحديث، وأي تفهم لأصوله في العصور القديمة والوسيطة، يستدعي تفهما للأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في إطار الحضارة المعنية ومجمل بنيتها المعرفية.

2

وبالنسبة للتراث العربي، فقد أتى في جملته - ككل وكفروع - كنتيجة لمعلول محدد هو الثورة الثقافية العظمى التي أحدثها نزول الوحي وظهور الإسلام في المجتمع البدوي القبلي.

وقد كان علم الكلام هو أول دائرة معرفية ترسمت حول الوحي، إنه نبتة أصيلة نشأ قبل عصر الترجمة - قبل التأثر بالفلسفة اليونانية - كأول محاولة لتجاوز النص الديني وإعمال العقل البشري في تفهمه وإثبات مضامينه، فكان بحق أوسع وأهم المجالات لما أسماه محمد عابد الجابري «العقلانية العربية الإسلامية»، أو أنه - كما رأى الشيخ مصطفى عبد الرازق - الفلسفة الإسلامية الشاملة حتى لعلم أصول الفقه بكل تألقه المنهجي.

ومن ثم فعلى الرغم من أن منظور عصرنا يبدي سلبيات جمة في علم الكلام، تفرضها المهام المنوطة به في إطار الحدود الحضارية والقصورات المعرفية لذلك العصر البعيد، فإنه تبقى إيجابية علم الكلام العظمى في أنه تشكل للعقل العربي الصميم. والحق أنه لم يكن إلا ممارسة للتفكير الفلسفي في القضايا التي أثارها نزول الوحي في المجتمع العربي، اتخذت شكل البحث في العقائد لأنه الشكل الأيديولوجي المتفاعل والمثير للقضايا الفكرية.

3

لقد كان بمثابة الفلسفة الإسلامية الخاصة التي شقت الطريق ومهدته للفلسفة الإسلامية العامة أو الحكمة.

فلئن كان كل من الكلام والفلسفة طريقا مستقلا نسبيا في سياق الحضارة الإسلامية، فإن الحدود بينهما مموهة إلى حد ما. لقد استفاد علم الكلام كثيرا في مراحله المتأخرة من أتون التفلسف العقلاني، من المنطق، فكان ينمو ويتطور، ينضج ... ينضج، فنضج حتى احترق - كما يقول الأقدمون،

4

وتنبعث من رماده عنقاء الفلسفة. «ومن القرن السادس الهجري حتى القرن الثامن أصبحت موضوعات علم الكلام هي نفسها موضوعات الفلسفة»،

5

ولا شك أن المعتزلة لهم دور خاص في توجيه الفكر الكلامي الإسلامي إلى طريق يؤدي في النهاية إلى التفلسف الذي عاش طور الحضانة تحت جناحهم - بتعبير حسين مروة، وقد أسهب ابن خلدون - على الرغم من أشعريته - في إيضاح هذه القضية والمجرى الذي شقه المعتزلة بين الكلام والفلسفة.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ٣١