هذا الواقع المنشود ليس حلما طوباويا، بل شهده التاريخ في بعض من أينع مراحله، فلئن شهدت بدايات العلم الحديث طغيان الكنيسة ومعاركها الدامية معه، لا سيما في القرن السادس عشر، وشهد القرن التاسع عشر اكتمال تصور العلم للكون كآلة ميكانيكية مغلقة تسير بفعل العلل المادية والقوانين الحتمية، مؤكدا أنه لا إله ولا نفس ولا روح؛ أي شهد ذلك القرن طغيان العلم على الدين وجوره على إيمان العلماء. نقول لئن حدث هذا وذاك، فبينهما نجد القرن السابع عشر، حيث أحرز نجاح العلم الطبيعي خطى جوهرية بلغت الذروة في إنجلترا التي اكتمل فيها نسق الفيزياء الكلاسيكية على يد إسحق نيوتن ومواطنيه، حتى يلقب مؤرخو العلم القرن السابع عشر بعصر تفجر العبقرية الإنجليزية.
7
وليس غريبا أن نجاح حركة الإصلاح الديني واكتمال تحقق البروتستانتية كان أيضا في إنجلترا آنذاك. وعوامل نجاح الحركتين - الفيزياء الكلاسيكية والإصلاح الديني البروتستانتي - تشترك في الثورة على السلطة الدينية المتصلبة، وليس على الدين نفسه، بل من أجل الدين. وكما أشار مؤرخ الأفكار «فرانكلين باومر»، اعتقد «فرنسيس بيكون» مع جهابذة الجمعية الملكية - التي تضم أساطين العلوم الطبيعية - أنهم يدرسون توراة الطبيعة، وأن للعلم روافد دينية جياشة تكشف قدرة الله التي تتجسم في خلائقه. غير أن هذا الاعتقاد لم يحل دون قيام «بيكون» بحماية العلم من تدخل اللاهوت.
8
هذا هو المطلوب دائما.
أما عن كيف تستفيد الاستنارة الدينية من أبعاد التفكير العلمي، فالاستفادة تكمن في تحقيق هذا الهدف؛ أي الاعتراف باستقلال العلم.
لقد انجلت طبيعة التفكير العلمي الحقة إثر انهيار الآلة الميكانيكية الكلاسيكية المغلقة كتصور للكون، وذلك باقتحام عالم الذرة والإشعاع على مشارف القرن العشرين وانبثاقة النظرية النسبية، وميكانيكا الكوانتم، هذه الطبيعة التي تبدت لنا آنفا في قابلية العلم الدائمة للتكذيب والاحتمالية والنسباوية والتغير والتقدم المطرد، حتى قيل إن العلم «شيء حي» بمعنى أنه بناء صميم طبيعته الصيرورة، هو نسق متتالي التوالد والتنامي والتغير. فالقابلية للتكذيب تعني أن العلم يحمل في صلب طبيعته إمكانية التصويب والتقدم المستمر، حتى أن منطق العلم منطق تصحيح ذاتي؛ لذلك ينتهي «جاستون باشلار» (1884-1962) - شيخ فلاسفة العلم في فرنسا - إلى أن العلم يتنكر دائما لما ينجزه، من حيث دأبه على اختباره ونقده وتصويبه. فالعلم لا يخرج من الجهل؛ لأن الجهل ليس له بنية، العلم يخرج من التصحيحات المستمرة للبناء المعرفي السابق.
9
وهذا التصحيح المستمر هو الذي يكفل التقدم المستمر، حتى كانت التقدمية هي صلب طبيعة العلم التي تجعله شيئا حيا وليس البتة بناء متكاملا. إن الوجود المتعين صنيعة الله، والعلم المتنامي صنيعة الإنسان. الوجود قديم والعلم حادث، الوجود ثابت والعلم متغير، الوجود باق والعلم نام، الوجود حتم والعلم حرية، الوجود مفعول فيه والعلم فاعلية، الوجود كينونة والعلم صيرورة.
10
إن أدركت الاستنارة الدينية هذا الواقع المتقد المتغير المتميز للعلم، أمكنها استيعاب العلم كفاعلية إنسانية متنامية ومستقلة، وأدركت عبثية التوقف عند هذه النظرية أو تلك، وتطابقها أو تناقضها مع هذه الإشارة أو تلك في النصوص المقدسة. فبدلا من النزاع الضاري والعقيم الذي خاضته الكنيسة لتناقض بعض نظريات العلم الحديثة مع ظاهر النصوص الدينية، نجد كثيرين اليوم يستنفدون جهدا أشد عقما للتوقف عند تشابه بعض النظريات مع ظاهر النصوص الدينية.
11
كلا الاتجاهين عقيم، الاتجاه المثمر هو المستنير الذي يدرك استقلالية العلم ويعترف بها، ويعرف أن طريق العلم يختلف عن طريق الدين، وكل الطرق في تشعبها وتوازيها وتكاملها، تؤدي إلى حضارة إنسانية ثرة. •••