تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلم تكن الفلسفة إلا تطويرا لعلم الكلام، ظهرت بعد أن استوفى نضجه، لتمثل دائرة أو مرحلة فكرية أعلى من مرحلة التمهيد الكلامي، أصبح الفكر والواقع مهيئين لها. وكانت الفلسفة أكثر اتصالا بسيرورة العقل البشري، وفي حل عن التمثيل الأيديولوجي الصريح - إن كانت بالطبع لن تتحلل من روابطها به - فتميزت عن الكلام بأنها أولا انطلقت من المفاهيم والمضمون الفكري لا من القضايا المثارة في المجتمع النص بصورة مباشرة، وثانيا لم تتخذ من عقائد الدين مسلمة أو قاعدة مباشرة للبحث.

6 •••

خلاصة ما سبق أن نتوقف عند الأصول الفلسفية لتصور الطبيعة في التراث العربي، كما تشكلت على أيدي المتكلمين، ثم نتتبع نمو الأصول على أيدي الفلاسفة لنصل إليها مع أولئك الطبائعيين الذين نتفق على أنهم العلماء العرب القدامى. •••

وعلى خلاف الظن الشائع احتلت الطبيعيات في علم الكلام مكانا فسيحا في صدر المسرح الفكري، ولئن لم تكن الطبيعة من المشكلات الكبرى أو العناوين التقليدية للمصنفات الكلامية، فإنها منبثة في كل هذا، حتى شهدت مع المتكلمين زخما وثراء.

وكما أشار دي بور، غلب النظر في الطبيعة على المعتزلة الأولين، حتى أن أبا عمرو الجاحظ (+ 255ه) وهو من رواد النزعة الطبيعية في علم الكلام الاعتزالي، ومن المعالم البارزة في تاريخ الثقافة العربية لم يفته التأكيد على أن العالم الحق يجب أن يضم إلى دراسة الكلام دراسة العالم الطبيعي، وكان هو نفسه يصف دائما أفاعيل الطبيعة.

7

فالطبيعيات هي العالم، أو كما قال الجويني إمام الحرمين: «هي كل موجود سوى الله تعالى»

8

وملكوته وملائكته، هي عالم الشهادة، بتعبير معاصر هي الكون الفيزيقي، وبتعبير المتكلمين هي اللطائف.

وثمة أسلوبان لتناول علم الكلام، إما النظر إليه كفرق، وإما النظر إليه كموضوعات. بهذا الأخير يمكن تصنيف الموضوعات إلى ستة، هي: التوحيد، القدر، الإيمان، الوعيد، الإمامة ثم اللطائف أي الطبيعيات. الإلهيات (= العقليات) تشمل التوحيد والقدر، والسمعيات (= النقليات) تشمل الإيمان والوعيد والإمامة.

9

أما اللطائف؛ أي الطبيعيات، فموضوعها الجسم والحركة والمادة في الزمان والمكان؛ أي العالم الفيزيقي عالم العلم الطبيعي. وقد كانت الطبيعيات لطائف - كما أوضح عابد الجابري - لأنها «دقيق الكلام» الذي هو مجال العقل وحده، مقابل «جليل الكلام» أي العقائد التي يفزع فيها إلى كتاب الله.

على هذا الأساس انشغل المتكلمون الرواد - كما أشرنا - باللطائف، فكانت بداية اشتباك العقل الإسلامي بالعالم الفيزيقي، وبداية التفكير في الطبيعة، إنه بزوغ الفكر العلمي من ثنايا الفكر الديني المهيمن، مما يسهم في تفسير زخم الدفع العلمي الذي جعل الحضارة الإسلامية تنفسح للحركة العلمية وتحمل لواءها طوال العصور الوسطى. وهذا يوضح ولماذا كانت العلوم عند العرب تتدفق في إطار الأيديولوجيا السائدة وتحت رعاية ومباركة السلطة الحاكمة، وليس ضدها بالمواجهة والصراع الدامي معها كما كان الحال بالنسبة للعلم الحديث في أوروبا.

وسوف يفسر لنا أيضا لماذا كان العلم العربي معلولا ومفعولا وليس علة فاعلة في تشكيل البنية المعرفية الإسلامية، ولماذا استنفد ذلك الدفع ذاته، وبلغت الحركة العلمية الثرية الدافقة طريقا مسدودا، ولم يقدر له التواصل والنماء في العصر الحديث، بل أسلم الحصيلة والراية إلى أوروبا لتقوم بهذا الدور.

فقد انحل العالم الطبيعي على أيدي المتكلمين إلى جواهر وأعراض مأخوذة من المذهب الذري القديم،

10

وأصبحت الجواهر والأعراض هي الأنطولوجيا الكلامية أو أساس تصورهم للطبيعة،

11

فعن طريقهما أثبت المتكلمون هدفهم، وهو أن العالم متغير، لتوالي الأعراض عليه، وبالتالي حادث؛ أي مخلوق لله.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ٣٢