تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4 ... حتى ظهر عام 1960 كتاب «هانز جيورج جادامر» الخطير، وهو «الحقيقة والمنهج» لتستوي الهيرومنيوطيقا علما له مدارسه واتجاها واسعا مارس سيطرة طاغية على الأجواء الثقافية ومدارس النقد الأدبي في العقدين الأخيرين

5 ... إنه علم يقوم على إلغاء التباعد بين القارئ والنص مهما تقادم به الزمن، بل ينبعث النص حيا في أفق كل متلق له، فيبقى معينا لا ينضب أبدا وإمكانية متجددة دوما.

إن الهيرومنيوطيقا التي نشأت أصلا في أعطاف اللاهوت، وترعرعت في أفياء البروتستانتية تكاد تكون تمثيلا منهجيا للاستنارة الدينية، ولقدرة الدين، الذي يرتكز دائما على النص، قدرته على الانبثاق مجددا مع كل طلعة شمس، وقدرته على البقاء والاستمرار وأداء المهام الروحية المنوطة به، مهما تعمقت متغيرات حضارية أخرى، على رأسها العلم. مما يعضد موقف الاستنارة الدينية، ويطرحها كهدف متاح ذي طريق ممنهج أو مرسوم. وإذا نظرنا نظرة عميقة تعود إلى الأصول، وأخذنا في الاعتبار أن النص الديني في حضارتنا العربية يمثل الأساس المكين للمنطلقات القيمية والتوجهات الحضارية، أمكنا عن طريق القراءة المتجددة للنص أن نعمل على تجذير وتوطين ظاهرة العلم الحديث في أصوليات حضارتنا. وسنعالج هذه القضية فيما بعد، في الفصل الأخير. •••

ونعود الآن إلى السؤال الملح، فمع التسليم بالاختلاف بين التفكير العلمي والتفكير الديني، وبالاحتياج لكليهما، أولا: ما هي علاقة الاستنارة الدينية بالتفكير العلمي؟ وثانيا: كيف يمكنها الاستفادة من أبعاده؟

الإجابة على هذا في أن الموقف الديني المستنير موقف حضاري راشد، يدرك خاصية الاستقلال والتميز التي يتسم بها العلم والبحث العلمي والتفكير العلمي. فقد ترسمت شرائع العلم ونواميسه، وتعقدت آلياته وشق طريقه المظفر كفعالية إنسانية مستقلة، بمعنى أنها تحمل في صلب ذاتها حيثياتها وإمكانيات تناميها وفاعلية عوامل تقدمها المطرد، في طريقها ذي المعالم الواضحة.

المعالم الواضحة تعني إحكام المشروع العلمي فيرتكز في شتى ممارساته على أصوليات منهجية، ترتد في صورة خصائص منطقية دقيقة، ترسم للمشروع العلمي تخوما واضحة، مما يكفل تآزر الجهود العلمية، فتمثل متصلا صاعدا، يواصل صعوده أو تقدمه باستمرار، غده أفضل من يومه مثلما كان يومه أفضل من أمسه، فتمثل كل ممارسة من ممارسات العلم إضافة لرصيده، أو بالأحرى لرصيد الإنسانية.

6

إن استقلالية البحث العلمي هي أخص خصائصه، حتى إن معيار العلم، وهو معيار القابلية للاختبار التجريبي والتكذيب يفرق بين ما هو علمي وما هو غير علمي، يرسم حدودا صارمة حول العلم وقضاياه، فكل ما لا يقبل الاختبار التجريبي والتكذيب لا يعد علما؛ أي لا يحمل مضمونا معرفيا وقدرة تفسيرية عن العالم التجريبي، وهي حدود لن يتخطاها ما لا يحمل هذه الوظيفة المحددة للعلم الطبيعي؛ أي لا تتخطاها قضايا الدين والميتافيزيقا والفلسفة والفن والمشاريع الأيديولوجية والأخلاق المعيارية، بعضها أهم وأعلى من العلم وأكثر فعالية، لكنها ليست علما

Science ، فهي غير قابلة للاختبار التجريبي والتكذيب، وليس مطلوبا منها أن تقبله؛ لأنها تقوم بوظائف أخرى، وليس بوظيفة العلم التي تتجسد عينيا في السيطرة على الظاهرة الطبيعية. معيار التكذيب شهادة الصلاحية للقيام بهذه الوظيفة، إنه معيار العلوم الطبيعية، وفي نفس الوقت الخاصة المنطقية المميزة إياها. إلى كل هذا الحد تفرض المعرفة العلمية الطبيعية استقلالها.

موقف الاستنارة الدينية هو الذي يعترف بهذه الاستقلالية، ويدرك أنه لم يعد مجديا ولا مقبولا ولا حتى معقولا أية ملاحقة للعلم أو مصادرة أو تهميش له، أو محاولة لفرض الوصاية عليه. فندع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، ما للعلم للعلم، وما للدين للدين. وينفسح المسرح الحضاري للعلم والدين معا.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ٢٩