إذن فليس في العالم الواقعي الفيزيقي وحده يحيا الإنسان، وبالتالي ليس بالعلم وحده يحيا الإنسان، بل بتآزر سائر أبعاد تجربته الحضارية العلم والدين والفلسفة والقيم والفن والأيديولوجيا ... الحضارة الراشدة الناضجة تعني تفتح وتفاعل وتآزر سائر هذه الأبعاد، ما دامت جميعها تهدف إثراء الإنسان ووجودا أكثر اكتمالا وأكثر إشباعا. ولا شك أن الصراع بين جانبين أو أكثر من جوانب الحضارة يعني قصورا وأزمة يجب العمل على تجاوزها. بعبارة مباشرة، نتفق جميعا على الاحتياج الحضاري للعلم والدين معا، وليس مجديا البتة التضحية بأيها على مذبح الآخر.
هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإنه مثلما تبدت لنا فعاليات التفكير العلمي، فقد تبدت أيضا سماته التي تتبلور في الاختبارية والقابلية للتكذيب والنسباوية والاحتمالية. ومن الواضح أنها تتناقض تماما مع سمات التفكير الديني التي تتبلور في التسليم والتصديق والمطلقية واليقين.
إذن تنتهي الآن إلى اختلاف طبيعة التفكير العلمي عن طبيعة التفكير الديني، مع التسليم باحتياج الحضارة الإنسانية إلى كلا الأفقين: الدين والعلم.
على هذا الأساس نناقش قضية علاقة التفكير العلمي بالاستنارة الدينية. ولن نخوض الآن في محاولات لتعريف وتحديد مفهوم الاستنارة الدينية، وقد أعطانا أمين الخولي تمثيلا عينيا لها، ونكتفي بالاتفاق على الأساس العام للاستنارة في كل صورها، الذي يعني النظر بعين الاعتبار للعقل الإنساني ولقدراته وإمكانياته المتوالية دوما، وبالتالي الانفتاح على متغيرات الواقع، والقدرة على الاستماع للرأي الآخر. هذا في مقابل الدوجماطيقية - أي التطرف - التزام الطرف الأقصى الواحد والوحيد وإنكار كل ما عداه، والانغلاق على قطعيات متصلبة عمياء، أو على ظاهر النصوص الدينية.
لا شك أن النص هو محور الارتكاز في كل أفق ديني، سواء أكان منغلقا أو مستنيرا. لكن الاتجاه المستنير لإيمانه بقدرة العقل وبتغير الواقع، يتعامل مع النص الديني بمناهج قادرة على التحديث وبعث الحياة فيه، ليتجدد مع كل جديد ويغدو ملائما لكل العصور، ولكل الأزمنة والأمكنة، فيكون الدين رسالة شاملة حقا. وكما لاحظنا في الفصل السابق حين اضطلع أمين الخولي بهذه الأطروحة لامس حدود الهيرومنيوطيقا. إذن تفرض الهيرومنيوطيقا نفسها علينا الآن مجددا. الهيرومنيوطيقا في أصوله القديمة - كما ذكرنا - هي علم تأويل الكتب المقدسة، لكنه قفز قفزة هائلة عبر المناهج المعاصرة، وأصبح الآن نظرية عن الخبرة الحية بالنص. لقد أصبحت علم فهم وقراءة النصوص على إطلاقها، لكن تظل تكتسب أهمية خاصة في النصوص الدينية والتراثية؛ لأن القراءة الهيرومنيوطيقية ينصهر فيها النص والقارئ معا، الماضي والحاضر في علاقة متجددة هي موقف أنطولوجي (أي وجودي) للقارئ المفسر، كما أنها جزء من تاريخ النص.
2
ثمة حوار مستمر مع النص يجعله مفتوحا دائما لفهم جديد وتأويل جديد، وبالتالي تغدو النصوص معاصرة دوما، لكل من يقرؤها مجددا فهي لا تقول الحقيقة، بل تفتح علاقة أو علاقات مع الحقيقة.
3
كل عصر يدخل في العلاقة الموائمة لحيثياته، فيتحدث النص بلغة الحاضر دائما، حاضر كل قارئ له، ولا يفقد النص علاقته بالواقع الحي أبدا.
لقد نضجت الهيرومنيوطيقا وترعرعت بفضل آباء اللاهوت الليبرالي في القرن التاسع عشر، نذكر منهم الرائد البروتستانتي العظيم فردريش شلايرماخر
F. Schleirmacher (1768-1834) الذي أكد - كما عبر عن ذلك تلميذه المعاصر باول تيليش
P. Tillich (1886-1965)، أكد شلايرماخر أن الدين ليس سرا ملغزا، وليس ثمة لغة قدسية وضعت بين دفتي كتاب، ولا شأن للعقل بها، بل إن «اللغة الدينية لغة عادية تتغير تبعا للقوى التي تعبر عنها»