تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتفسير النفسي يعني أن القرآن الكريم فن أدبي معجز، من حيث هو هدى وبيان ديني، يقوم على سياسة النفوس البشرية وترويض الوجدان. الفن هو نجوى الوجدان، والدين حديث الاعتقاد وخطاب القلوب، وصلته بالنفس أوضح من أن تفسر.

هكذا عن طريق البعد النفسي يبلور الخولي نقطة التلاقي بين الدين وبين الأدب، ليخرج بدعواه للتفسير الأدبي للقرآن الكريم، موضوعا موضوعا، لا سورة سورة، أو آية آية. وقد أشرت في البحث السابق إلى أن هذا هو أشهر ما اشتهر به الخولي.

إن ترتيب القرآن في المصحف الشريف ترك وحدة الموضوع، ولم يلزمها مطلقا. وترك أيضا الترتيب الزمني لظهور الآيات، فتتداخل الآيات المكية مع الآيات المدنية. وقد فرق الحديث عن الشيء الواحد والموضوع الواحد في سياقات متعددة ومقامات مختلفة. لكل هذا يكون الطريق إلى المعايشة الأعمق للقرآن ومضامينه هو تناوله موضوعا موضوعا.

على أن هذا التناول مصبوغ بصبغة العصر الذي يتم فيه.

إن النص القرآني - كما صدرنا الحديث - مركز حضارتنا وثقافتنا، ثابت بنيوي، لكن تبيان أغراضه ومعانيه ومراميه يكون في ضوء التفسير. لقد أشار الخولي إلى العلاقة بين التفسير والتأويل، على أساس أن الأول أعم من الثاني. وقد استعمل القرآن الكريم كلمة «التأويل»، ثم ذهب الأصوليون إلى اصطلاح خاص لها، حتى شاع استعمالها مع المتكلمين، باعتبارها لونا خاصا من التفسير، والتفسير دائما له صور متعددة «وقد تنوعت ألوانه وتعددت بتعدد ثقافات المتصدين له.»

9

وهكذا إذا كانت ثقافتنا تتميز بتمركزها حول محور ثابت هو النص الديني، فإن التفسير يحمل دماء الحياة والتجديد والتطور دائما مع كل عصر، سيما وأن التفسير علم - كما أشار الأقدمون - ما نضج وما احترق، مقابل النحو وعلم أصول الدين الذي نضج واحترق، وعلم الفقه والحديث الذي نضج وما احترق، أما التفسير فهو نهر دافق يتدفق بتدفق الحضارة والحياة نفسها، والنهر لا يكون فجا أو ناضجا، النهر لا يحترق أبدا. •••

بكل هذه الحيوية والتدفق والتجدد المستمر الذي اتسم به التفسير مع أمين الخولي، نتوقف عند واحد من أهم تيارات الفكر الفلسفي المعاصر، وهو المعروف باسم الهيرومنيوطيقا. وهذا المصطلح

Hermeneutics

له معنيان أو مدلولان، أحدهما قديم متوارث، والآخر حديث معاصر. لئن كان كلاهما يتمثل في الخولي، فإن ما يهمنا هو تحقق المدلول المعاصر في شخصيته التفسيرية، فضلا عن مسيس احتياجنا الحضاري لذلك المدلول المعاصر.

الهيرمنيوطيقا في أصوله القديمة هو علم تأويل الكتب أو النصوص المقدسة. ومع تطوره التاريخي اكتسب مرونة واتساعا، حتى أصبح أخيرا وبفضل الفلسفة الألمانية، واحدا من أهم تيارات الفلسفة في الربع الأخير من القرن العشرين.

الهيرمنيوطيقا كتيار فلسفي معاصر ينطوي على موقفين متقابلين، أحدهما يتبع فيلهلم دلتاي

W. Dilthey (1833-1911) ويرى التأويل أو الفهم

Verstehen

منهاجا للعلوم الاجتماعية والتاريخية. أما الموقف الثاني فيتبع مارتن هيدجر

M. Heidegger (1889-1976) ويرى التأويل «حدثا أنطولوجيا» أي حدثا وجوديا. التفاعل بين النص وبين المفسر/المئول إطار ضروري لتفهم الموضوع المطروح، إنه جزء من تاريخ ذلك النص، كما أن طرح قواعد ومعايير لتفهم ما يقوله النص إنما هو موقف تاريخي ووجودي للمئول/المفسر.

10

وسوف نسير الآن عبر الخط الهيدجري لنجد الهيرمنيوطيقا نظرية عن الخبرة الواقعية الحية بالنص. إنه علم قراءة وفهم النصوص على إطلاقها، سواء دينية أو تراثية أو فلسفية أو قانونية. ويكتسب أهمية خاصة في النصوص التراثية؛ لأن القراءة الهيرومنيوطيقية ينصهر فيها النص والقارئ معا، الماضي والحاضر في علاقة جديدة تبادلية وتكاملية، إنها حوار مستمر مع النص يجعله مفتوحا دائما لفهم جديد وتأويل جديد. هكذا تغدو النصوص معاصرة دائما، معاصرة لكل من يقرؤها مجددا. «النص لا يقول الحقيقة، بل يفتح علاقة مع الحقيقة»،

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ٢٢