تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كان النص القرآني بالتالي هو المركز الذي نشأت حوله دوائر علوم تراثنا؛ لذلك كان نصا أو وحيا تحول إلى حضارة، وهذا أميز ما يميزنا كأمة، لقد خرج تراثنا من الكتاب المبين/القرآن الكريم، كانت أولا الانبثاقة الجبارة الفريدة لعلوم اللغة، التي أسفرت عن جهاز اشتقاقي ونحوي وصرفي لا مثيل له في لغات العالمين؛ لأن القرآن نص، ظاهرة لغوية، ثم البلاغة لتكشف عن إعجازه، يتبعهما الفقه ليستنبط الأحكام قياسا عليه، وعلم الكلام من أجل عقلنة القرآن ليتطور إلى الفلسفة، مما جعلنا حضارة تدور حول مركزها الثابت: القرآن الكريم. وقد أشار المفكر الإسلامي المجدد حسن حنفي إلى أن هذا هو الفارق المحوري والجدلي بين الحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الغربية المسيحية التي أصبحت طردية بلا مركز؛ لأن الكتاب فيها قد خرج من التراث ولم يخرج التراث من الكتاب.

3

لم تكتب الأناجيل إلا بعد اكتمال الدعوة المسيحية، فكانت لاحقة على العقيدة وتعبيرا عنها، ليست سابقة عليها أو مصدرا لها. ثم كان ظهور علم النقد التاريخي للكتب المقدسة في القرن السابع عشر مع سبينوزا وريتشارد سيمون وجان أوستريك، ليتناول تحريفا وتبديلا وتغييرا وقع في الكتب المقدسة، على كل هذا يقول حسن حنفي:

أهم ما يميزنا كأمة، سواء إذا كنا مجتمعا حاليا أو حضارة سابقة هو أننا قد تلقينا «وحيا» يمتاز على الأقل بخصائص ثلاث، أولا: أنه آخر مرحلة من تطور الوحي في التاريخ ابتداء من آدم حتى محمد، وبذلك يكون لدينا الوحي مكتملا في صورته النهائية، يمكن أخذه كأصل للشرائع دون انتظار تغيير أو تبديل أو نسخ. ثانيا: أنه محفوظ كتابة بين دفتي القرآن، وبذلك أمن خطورة التحريف التي انتابت الكتب المقدسة الأخرى من إنجيل وتوراة عند بني إسرائيل. ثالثا: أن القرآن ككتاب مقدس لم ينزل دفعة واحدة، بل نزل منجما كما يقول علماء التنزيل؛ أي إنه ليس وحيا معطى، ولكنه وحي منادى به اقتضته أحوال الناس واحتياجاتهم، تأتي كل آية كحل لموقف، ثم تجمع الآيات على مدى ثلاثة وعشرين عاما وتصبح القرآن. فأهم ما يميزنا عن الأمم والحضارات الأخرى هو هذا القرآن.

4

ونلاحظ أن هذا الاقتباس يلفت أنظارنا إلى أن الوحي منادى به، لم ينزل دفعة واحدة، بل منجما، هو تواتر من حلول لمشكلات واجهت الفرد والجماعة، وذلك قريب مما أسماه شيخنا أمين الخولي: «وثيق اتصال القرآن بالحياة الإنسانية»،

5

وكان أساسا قامت عليه مدرسته في التفسير الأدبي للقرآن، التي نطرق الآن أبوابها، خصوصا من حيث هي نقض للتفسير الحرفي الثبوتي الجامد، الذي لا يؤذن بتطوير أو تجديد، ولن يومئ إلى تنهيض أو تنمية.

ننتهي من هذا إلى محورية قضية تفسير القرآن في أطروحاتنا الحضارية الهادفة إلى تأصيل توجهات الحداثة، وتحديث معاملات الأصالة، أو باختصار الهادفة إلى التجديد، وأن اتجاه أمين الخولي الرائد بمدرسته في التفسير من الخطوط المحورية في هذا المضمار. •••

وإذا كان أمين الخولي ينعت اتجاهه بأنه تفسير «أدبي» للقرآن، فإن الخولي بدوره كان في طليعة روادنا الذين تعرضوا لصلة علم النفس بالبلاغة والأدب.

6

وقد توقف عند الإعجاز النفسي لبلاغة القرآن الكريم، بمعنى أثره العظيم على النفس الإنسانية ووقعه عليها وفعله فيها،

7

بطلاوته وعذوبته في مبناه وفي معناه، وفي جرسه وإيقاعه. وعن طريق الاستعانة بأمهات عيون التراث، يبين الخولي الأثر النفسي لأساليب القرآن الكريم البلاغية، خصوصا التكرار.

يرى الخولي الإعجاز النفسي للقرآن متروكا للإحساس الفني والذوق الأدبي؛ لأنه - كما انتهى السكاكي - يدرك ولا يوصف أو يعلل. والأمر كله رجوع إلى مصدر الحياة الفنية في الإنسان باعتبارها من أرقى ملكاته.

8

لكنه - أي الإعجاز النفسي للقرآن الكريم - يستتبع التفسير النفسي للقرآن، والذي يمكن أن يساهم فيه علم النفس بما يملكه من فروض ونظريات. إن التفسير النفسي للقرآن الكريم يقوم على أساس وطيد من صلة الفن القولي بالنفس الإنسانية.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ٢١