تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

أو قل علاقات كل قارئ، كل عصر يدخل في العلاقة الموائمة لحيثياته. النص مادة خام، قالب يتسع لمضامين عديدة، ويكتسب مضمونا محددا حين يتحدث المفسر القارئ نيابة عنه، يتحدث بلغته، لغة الحاضر، ودون مشاركة الحاضر يتجمد النص وتتخلخل علاقته بالواقع. إن التأويل والتفسير يملؤه بالمضمون طبقا لما أسماه الفقهاء في تراثنا: (المقاصد العامة).

هكذا يظل النص ظاهرة حية باستمرار. إن النص - أي نص - تنتهي مهمة تصنيفه، أو تنتهي مهمة الكاتب بخروج النص. أما القراءة، التأويل والتفسير فمهمة مستمرة، إمكانية مفتوحة دوما لفهم جديد، لتفسير أو تأويل جديد.

هكذا تحولت ظاهريات النصوص إلى علم مستقل هو الهيرمنيوطيقا، يستفيد من علوم إنسانية عديدة، وبنفس القدر يفيدها. وتصب فيه نظريات المعرفة والوجود والقيمة على السواء، وإن كان أوثق اتصالا بنظرية المعرفة. ولكن لعلنا لاحظنا أن أمين الخولي يركز أيضا على اتصال علم النفس بالذات بالتفسير وتأويل النصوص الأدبية، وعلى رأسها جميعا القرآن الكريم.

لقد أتى أقوى السائرين في الخط الهيدجري، وهو هانز جيورج جادامر

H. G. Gadamer

بكتابه الرائد «الحقيقة والمنهج»

Wahrheit Und Methode (1960)، فتستوي الهيرمنيوطيقا منهاجا فعالا، قيل إنه يوازي في خطورته وأهميته المنهاج العلمي التجريبي. فهذا الأخير لتناول الواقع الفيزيقي والحيوي، أما الهيرمنيوطيقا فمنهاج لتناول النصوص، وهي واقع إنساني لا يقل عينية وتجسدا وأهمية وصعوبة مراس، إن لم يزد.

12

وبفضل هذه الصبغة المنهجية الطاغية أصبحت الهيرمنيوطيقا علما له مدارسه، واتجاها واسعا مارس سيطرة كبيرة على الأجواء الثقافية ومدارس النقد الأدبي في العقدين الأخيرين.

إنه علم يقوم على إلغاء التباعد بين القارئ والنص، أو ما يتمثل في فلسفة المناهج المعاصرة من إلغاء للتباعد بين الذات والموضوع الذي وقعت في إساره الفلسفة الحديثة. وبالتالي فهم النص ليس كموضوع مفارق، بل في سياق إنتاجه وفي أفق المتلقي له، فتتعدد مدلولاته بتعدد آفاق المتلقين باختلاف الأزمنة والأمكنة. ويبقى النص معينا لا ينضب أبدا وإمكانية متجددة دوما.

هكذا تتجلى الهيرومنيوطيقا كمنهاج ذي قدرة متفردة على بث الحياة مجددا ودائما في النص، من حيث يلقي تلك التبعة والمسئولية على عملية القراءة والتأويل والتفسير، هو في كلمة واحدة: انصهار النص والقارئ معا. النص مادة خام، القارئ يشكلها ويعيد تشكيلها في عصره تبعا للأفق الثقافي المعطى.

القراءة والتفسير مهمة مستمرة، والتأويل إمكانية مفتوحة ومتجددة دائما. •••

بهذا، وبعد أن رأينا الخطوط العامة للتفسير عند أمين الخولي ومدرسته الأدبية، يتضح تماما كيف كان الخولي هيرمنيوطيقيا كبيرا، ويكفي أن نستشهد بالفقرة التالية من مناهج تجديده. يقول الخولي:

إن الشخص الذي يفسر نصا، يلون هذا النص - لا سيما النص الأدبي - بتفسيره له وفهمه إياه، إذ إن المتفهم لعبارة هو الذي يحدد بشخصيته المستوى الفكري لها، وهو الذي يعين الأفق العقلي، الذي يمتد إليه معناها ومرماها. يفعل ذلك كله وفق مستواه الفكري وعلى سعة أفقه العقلي؛ لأنه لا يستطيع أن يعدو ذلك من شخصيته، ولا تمكنه مجاوزته أبدا، فلن يفهم من النص إلا ما يرقى إليه فكره ويمتد إليه عقله. وبمقدار هذا يحتكم في النص ويحدد بيانه، ولا يستخرج منه إلا قدر طاقته الفكرية واستطاعته العقلية. وما أكثر ما يكون ذلك واضحا حين تسعف اللغة عليه، وتتسع له ثرواتها، من التجوزات والتأولات، فتمتد هذه المحاولة المفسرة بما لديها من ذلك، وإن المستطاع منه في اللغة العربية لكثير وكثير.

13

وأخيرا نشير في الختام إلى أن أزمة الثقافة الإسلامية والحضارة العربية حدثت حين عجزت عن التأويل، وتوقفت عن التفسير المتجدد، ودخلت في ليل الشروح والتعليقات والمتون والهوامش والحواشي. فكان تجديد التفسير شرطا لتجديد الفكر العربي الإسلامي وازدهاره، وكما قيل بحق هذا هو الهدف الذي يسعى إليه المفكرون الإسلاميون منذ فجر النهضة حتى اليوم.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ٢٣