بالقطع - كما يؤكد بولكين هورن - لم يعد ممكنا التفكير في التنوع الرائع للحياة بوصفه خلقا فجائيا، أو تنفيذا نهائيا لتصميم إلهي مسبق، ومع هذا لا توجد إطلاقا حجة تنكر أي غرض أو قصد إلهي من هذا التطور الحيوي الذي تتوالى مراحله عبر مسار التاريخ، هذا على الرغم من أن كثيرين من علماء الحياة يميلون إلى هذا الإنكار، ويؤكدون بلا أسانيد كافية أن العملية التي اكتشفها دارون عمياء تتم بلا وعي أو قصد أو رؤية للمستقبل، قائلين إنه إذا كان ثمة صانع للساعة الحيوية، فهو صانع أعمى بلا هدف.
بيد أن المسألة أعمق من هذا وذاك، كما يوضح بولكين هورن. فأولا بعض من رجال الدين رحبوا بالنظرية التطورية، ورأوها متفقة مع الفهم الصحيح للدين، وأكثر من نظرية الخلق المكتمل المناقضة لها. وفي واقعة أغفلها التاريخ بشأن تقويم كشف دارون، وردود أفعال رجال الدين إزاءها، نجد رجل دين إنجيليا بروتستانتيا هو تشارلز كنجزلي
Ch. Kingsley
يرحب بأفكار التطور تأييدا وتحبيذا للبروتستانتية ذاتها بوصفها تقدمية، في مقابل الإظلامية التي مارستها الكنيسة الكاثوليكية خصوصا في العصور الوسطى. وكما يقول كنجزلي، تصور العلماء أن التطور الحيوي يعني التخلص نهائيا من الألوهية ومن تدخلها في الطبيعة، وأن المسألة أصبحت اختيارا حاسما بين بديلين، الأول هو مجال مطلق للمصادفة والأحداث العمياء، والثاني هو الرب الحي القدير الذي يمارس عمله المحايث في الكون. بيد أن الله - كما يؤكد كنجزلي ومعه جمهرة من رجال الدين المستنيرين - الله لم يخلق عالما جاهزا مكتملا، لقد خلق شيئا أكثر حذقا وبراعة، وأكثر إثباتا لذاته تعالى، عالما خاضعا دائما للتطور. وعلى نفس هذا المنوال سار رجل دين آخر معاصر لتشارلز كنجزلي هو أبري مور
A. Moore
الذي أوضح أن الخلق الفجائي قد حل محله مفهوم الخلق المستمر. ولا تزال هذه الفكرة تلعب دورا هاما في التأملات الدينية حول الكون التطوري، وتجد تعبيرات شتى خصوصا في كتابات تيار دو شاردان
P. Teilhard de Charidan (1881-1955) وأيضا آرثر بيكوك
A. Peacocke
في كتابه «الخلق وعالم العلم 1979».
35
وفي طريق مشابه إلى حد كبير يسير أمين الخولي، كما سوف نرى في الصفحات المقبلة.
هكذا نجد رجال الدين المستنيرين وجدوا في التطور خلقا مستمرا أكثر إثباتا للذات الإلهية. وفكرة الخلق المستمر ترددت بين جمع من كبار فلاسفة الإسلام في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، خصوصا ابن رشد. لكن الذي يهمنا رجال الدين المستنيرين في الغرب المسيحي الذي دخل في صراع مع دارون، بل وفي إنجلترا ذاتها التي كانت حلبة ذلك الصراع من حيث كانت موطن دارون. رجال الدين المستنيرون في إنجلترا رحبوا بالتطورية، وعملوا على تشغيلها في صلب رؤاهم الدينية. إذن لم يأت أمين الخولي فعلا إذن حين رحب بالتطورية وحاول أن يجعلها بعدا، بل محورا من محاور دعواه التجديدية.
وبالعود إلى محاضرات أمين الخولي، نجده بعد أن عرض الأصول التاريخية لنظرية التطور وفحواها مع دارون - مدافعا عن هذا وذاك - ينتقل الخولي إلى فلسفة النشوء والتطور العامة، وهي تطبيق هذا الناموس الحيوي على المظاهر الأخرى للوجود الإنساني، فحتى المعنويات العقلية كلها تتطور من أصل بسيط وتتنافس والبقاء للأصلح. هكذا تكون التطورية في الفلسفة الخلقية، فيقدم الخولي عرضا بارعا لمذاهبها، أولا بتوسع مع الرائد هربرت سبنسر
H. Spencer (+ 1903). وثمة مراسلات بينه وبين محمد عبده، ثم مع ليسلي ستيفن
L. Stephen (+ 1904)، وصمويل ألكسندر
S. Alexander (+ 1938) حتى يصل إلى حيوده غير المقبول مع توماس هل جرين.
وكان كل هذا في محاضرات الخولي موضوعا للعرض والنقد والتقويم، حتى احتل التطور ما يقرب من نصف محاضراته في تاريخ الأخلاق.