ويبين الخولي أصول نظرية التطور في الفكر البشري، عند الإغريق ثم عند الإسلاميين، خصوصا مع جماعة «إخوان الصفاء وخلان الوفاء»،
34
ومع ابن سينا (+ 428ه)، وابن طفيل (+ 518ه)، والقزويني (+ 682ه)، وابن خلدون (+ 818ه).
وهنا يتوقف الخولي لتبيان أن نظرية التطور الحديثة في صلبها لا تتناقض مع العقيدة الدينية ولا تتعارض مع الإسلام، والقرآن هدى للمتقين لا درسا في الفيزياء والكيمياء والأحياء، والإسلام في أصوله وفروعه يحث على عمل العقل، ويستحيل أن يصادر على نظرية أو تفسير علمي ما. أما مقاومة نظرية التطور والنزاع الشهير بشأنها في أوروبا وأمريكا، فهذا - كما يؤكد الخولي - لا يخصنا؛ لأنه تناقض بينها وبين نصوص في التوراة.
يصر أمين الخولي إصرارا على أن النزاع مع التطورية من فعل الإسرائيليات لا سواها. وقبل أن نتوغل أكثر عبر أبعاد وآفاق التطور في التجديد عند أمين الخولي، لا بد وأن نتوقف هنيهة بإزاء هذا النزاع الشهير بين نظرية التطور وبين فريق من رجال الدين. والحق أنه ليس هينا أن يدافع شيخ أصولي - كأمين الخولي - عن التطورية الداروينية، بعد كل ما كان من تفاصيل هذا النزاع. وقد يرد إلى الأذهان هجوم السلفيين المعهود فقط، أو أن هذا قصرا على ثقافتنا، وليس هذا صحيحا. فقد أشار الخولي إلى أن التطور لا يزال يلقى مقاومة عنيفة من بعض التيارات في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أقوى معاقل الروح العلمية، واستمرت بعد زمان الخولي.
وكاتبة هذه السطور حين دخلت متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك عام 1996 تلمست بوضوح الجهد المنهجي المبسط الجميل في إقناع جمهرة الزائرين بنظرية التطور عن طريق كل الوسائل العينية والبطاقات التفسيرية. أما في متحف التاريخ الطبيعي في شيكاغو، فقد رأت قاعة مخصصة للنزاع الذي لا يزال دائرا بين الكنيسة وبين نظرية التطور. وثمة إقرار لأستاذ في جامعة نبراسكا بأنه في كل محاضرة ثمة طالب واحد على الأقل يناقشه في أن نظرية التطور تعارض الدين، وهي لهذا مرفوضة. ولا يفوت معرض شيكاغو إبراز أن العلاقة بين العلم والدين ليست موضوعا لمواعظ يوم الأحد (راجع
الفصل الرابع
من هذا الكتاب) ولا هي موضوع للمعالجات الصحفية السريعة.
فهل هذا الذي لوحظ في شيكاغو يعني أن النزاع مع التطور ليس كما يؤكد الخولي من فعل الإسرائيليات، استنادا إلى آيات في التوراة، وأنه لا بد أن يمتد أيضا إلى العقيدة المسيحية من حيث هي كذلك؟ لا سيما وأن هذا هو ما يومئ به النزاع الضاري بين دارون والتطورية وبين فريق من رجال الدين المسيحي.
إنها ملحمة مشهودة ومشهورة، ولن يجدي الخوض في تفاصيلها العقيمة. ومن أجل فصل القول ربما كان مثمرا أكثر أن نحتكم إلى شخصية لها ثقلها في الجانبين الديني والعلمي، وقد يبدو العثور على مثل هذه الشخصية مستحيلا أو عسيرا؛ لكن يتقدم جون بولكين هورن
J. Polkinghorne (1930) وهو شخصية فريدة حقا. فقد تبوأ منزلة عالية كعالم في فيزياء الجسيمات الأولية. وكان أستاذا للفيزياء الرياضية في جامعة كمبردج العريقة فيما بين عامي 1968 و1979. وفي عام 1974 اختير عضوا في الجمعية الملكية للعلوم التي تضم جهابذة علماء الفيزياء، لكنه ترسم عام 1982 قسيسا في الكنيسة الإنجيلية «البروتستانتية»، فأصبحت أعماله تدور حول استكشاف المقولات الكبرى في هذين القطبين - ويكاد يجري العرف على أنهما متنافران أو على الأقل متباينان - أي العلم الفيزيائي أولا، ثم الرؤى الدينية المستنيرة ثانيا. وأهم أعماله «لعبة الجسيم الذري 1979» و«عالم الكوانتم 1984» و«العلم والعقيدة المسيحية 1994».
ويبدو كتابه «ما وراء العلم: السياق الإنساني الأرحب 1996» أروع أعماله، ومن أجمل إصدارات العقد الأخير من القرن العشرين في هذا المجال. في كتابه «ما وراء العلم» يوضح بولكين هورن - العالم القس - كيف أن العاصفة القوية التي هبت من كتاب «أصل الأنواع» لتشارلز دارون، جاءت من فكرة التطور القائلة إن التغيرات الصغيرة البطيئة المتراكمة خلال عملية الانتخاب الطبيعي طويلة المدى هي السبيل الذي يصل به الكائن الحي إلى الشكل الضروري للبقاء في بيئته، بغير حاجة إلى القوة الربانية العليا، إلى حكمة الله وقدرته؛ لكي تفسر ما أحرزته الكائنات الحية من استعدادات وقدرات، فالمسألة كلها تجري على ظهر الأرض في إطار المحاولة والخطأ والتغير والانتخاب.