وفي هذا السياق عني الخولي بتأكيد أن ناموس التطور الحيوي لا يقل ثبوتا في المعنويات لذلك عم تطبيقه وسيطر على نظام البحث في سائر المجالات. و«صار كل باحث يتصدى لدرس شيء من ذلك إنما يتقدم إليه مسلما بعمل ناموس النشوء فيه، فيما مضى وفيما هو آت، ولم يعد الباحثون يقبلون القول بظهور كائن كامل الوجود دفعة واحدة، فكرة كان أو لغة أو فنا أو حضارة.»
36
إذن يعمل هذا الناموس في عالم الأفكار ذاتها، يقول الخولي: «إن ظهور الفكرة الجيدة يشبه في تطور الحي ظهور صفات جديدة في نوع من الأحياء تخالف الصفات القديمة، وقوة يقين أصحاب الفكرة الجديدة بصحتها وصلاحيتها تقابل درجة قوة الصفات الجديدة في الحي على البقاء، وأن صلاح البيئة الاجتماعية لحياة الفكرة الجديدة ومعاكستها لحياة الفكرة القديمة، تقابل حال البيئة الطبيعية بالنسبة لصفات الكائن الحي الجديدة، وأن قوة اقتناع أصحاب الفكرة الجديدة بها وترسيخهم لها في أذهان الناس تشبه قوة الحي على إفناء منافسه وإبادته، واقتناع الناس رويدا بالفكرة الجديدة وانسلاخهم من الفكرة القديمة يشبه موت الأفراد الضعاف في التناحر المادي، وأن تأصل الفكرة وثباتها في نفوس مقتنعيها يشبه تأصل صفات الحي الجديدة في نسله ورسوخها في البيئة.»
37
ويضرب الخولي مثلا لهذا بفكرة تحرم تدريس العلوم الرياضية والطبيعية الحديثة في الأزهر تبناها كبار الشيوخ من ذوي السلطان، وفكرة تدعو إلى تدريسها تبنتها قلة نابهة غير ذات سلطان يتقدمهم الأستاذ الإمام. بدا أن الكفة الأولى هي الراجحة، لكن ناموس البقاء للأصلح حكم في النهاية لصالح الكفة الثانية، بكل هذا التشابه للانتخاب الطبيعي في الأحياء، وفي المعنويات نجد «حياة الأديان والإصلاح كلها، وكفاح الرسل عليهم الصلاة والسلام والقادة المصلحين على سنن طبيعية ثابتة
وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا * سنة من قد أرسلنا قبلك
38 (سورة الإسراء، آية: 76-77).»
هكذا كان مدخل الخولي إلى تجديد الفكر الديني على أسس حيوية نازعة إلى التطور والارتقاء مؤكدا أن «في الدين فكرة صريحة عن التجديد تبين ناموسا كونيا، وتنسبه إلى سنن اجتماعية مطردة لا تتبدل»
39
هي سنة التطور. (7) طريق التجديد التطوري
في مرحلة لاحقة على هذه المحاضرات يعترف الخولي بأن النفس منه قد ملكها شعور الحياة بالحاجة الماسة الملحة إلى «تجديد تطوري» يفهم به الإسلام الذي يقرر لنفسه الخلود والبقاء، فهما حيا يتخلص من كل ما يعرض هذا البقاء للخطر ويعوق الخلود.
لذلك أهدى الخولي كتابه الرائد «المجددون في الإسلام» الذي يحمل رسالة التطور والتجديد في الفكر الديني إلى: الذين يدينون بعالمية الإسلام وخلوده، فالكتاب - كما ينص الإهداء - بحث في وسائل هذه العالمية وذلك الخلود. وبناء على ما سبق نتفهم بسهولة أن هذه الوسائل ترابض في فكرة «التطور» التي يقول عنها الخولي في هذا السياق: «تلك الفكرة بمجملها وعامة معناها لا تلزم العقيدة الإسلامية بشيء خاص، ولا تكلفها قليلا أو كثيرا من شطط، إذ لا تمس فيها كليات ولا جزئيات، تزيد عليها أو تنقص منها، في الوقت الذي يكون فيه تقرير فكرة التجديد المدانية لمعنى التطور إنما هو قبول لأصل حيوي، لا يهون إنكاره، ولا من الخير المماراة فيه، إذ إنه واقع لا يجمد ومشاهد لا يطمس، ذلك هو مبدأ التطور في الحياة»،
40
والذي هو - كما لا بد وأن تعرفوا - الأصل التجريبي لفهم سير الحياة على اختلافها.
41
هكذا انطلق أمين الخولي مؤكدا أن التجديد تطور، والتطور الديني هو نهاية التجديد الحق. والتجديد بهذا انطلاق مع الحياة ووفاء بجديد حاجتها، وما كان أصل الاجتهاد في الدين إلا تقديرا للحاجة الماسة والضرورة القاضية بحدوث تغيير يوجبه التطور. وكشف عن حاجة النصوص إلى توسيع يمدها بحيوية، تجعلها أصلح للبقاء الذي نودي به لها، بهذا نجد التجديد لا يكون مع منطق الحياة والواقع إلا تطورا.