لقد قاتل المصريون قتال الأبطال، وثبتوا في مواقفهم ثبات الشجعان، وكانوا يجاوبون النيران الشديدة التي كانت تصبها عليهم مدافعنا الضخمة إلى أن فني بلا شك أكثرهم. ا.ه.
وقال القومندان هنت جرب قائد المدرعة سلطان وقائد الأسطول الخارجي في تقريره للأميرال سيمور:
ولما وجدت أن الحصون أقوى مما كان يظن قبلا، وأن جنود المدفعية المصرية لا يستهان بهم وأنهم في الواقع يحكمون الضرب، رأيت من الصواب أن ألقي المراسي؛ لكي أحصل على المسافة اللازمة بالدقة. ا.ه.
وقال القومندان جودريتش من رجال البحرية الأمريكية الحربية الذي كان على متن السفينة الحربية الأمريكية لانكاستر
Lancaster
ورأى كل ما حدث بعيني رأسه في تقريره ص36:
وجاوب المصريون رغم التفاوت الذي كان بينهما من ناحية العدد ومن ناحية عيار المدافع، على النيران المتدفقة من أفواه مدافع الأسطول الإنكليزي إجابة مدهشة لم تكن متوقعة بتاتا بشجاعة تستوجب الإعجاب. وعندما كانت المدرعة إنفلكسيبل ترسل مقذوفات زنة كل منها 1700 رطل على حصن الفنار وتصيب ساتره فتثير الأنقاض والأتربة إلى علو الفنار نفسه، ويتخيل المرء عندما يرى ذلك أنه ليس في الإمكان أن يعيش أي إنسان تحت نيران كهذه النيران، لا يلبث بعد بضع دقائق عندما ينقشع الغبار أن يرى جنود المدفعية المصرية ملازمين مواقفهم يطلقون قذائفهم على خصمهم الرهيب. ا.ه.
وقال الماجور تلك من رجال قلم المخابرات (وترقى الآن إلى جنرال) وكان على ظهر المدرعة إنفنسيبل في كتابه «ذكريات أربعين عاما في الخدمة» ص286:
وبعد أن نزلت إلى البر بزمن يسير طفت حول البطاريات التي بقرب رأس التين، فوجدت منظر البعض منها ينفطر منه الفؤاد ، وسمعت فيما بعد من مصدر وثيق أن الخسائر في الأرواح من جنود المدفعية ومن جنود البيادة الذين كانوا خلف الحصون بلغت أكثر من ثلاثمائة. وقد وسقت بالقتلى العربات في أثناء القتال. ولكن لما كان عدد القتلى في نهاية الحرب كبيرا جدا فتحت لهم حفرة واسعة في رأس التين وألقيت أجسادهم فيها ثم ووريت في التراب. ومع هذه المواراة يستطيع الإنسان في عدة مواضع من هذه المقبرة أن يرى الطبقة العليا من هذه الأجساد ظاهرة على وجه الأرض. وقد سقط ساتر الحصن على بعض الجنود فأزهق أرواحهم، وبقيت أجسادهم تحت الأنقاض دون أن يستطيع أحد إخراجها. ووجدت جثة ضابط مصري وجثث ستة من الجنود المصرية البواسل تحت مدفع انقلب بقذيفة.
وعندي أنه لا يستطيع إلا القليل من الناس أن يؤدوا واجباتهم مثل ما أداها أولئك الجنود الذين كانوا في الحصون في ذلك اليوم. وليس في مقدور الإنسان أن يخفي دهشته وإعجابه من أن هؤلاء الجنود في الحالة التي كانت فيها النيران تتحيفهم من كل جهة أرادوا أن يرفعوا أحد المدافع من سقطته التي سقطها. وفي حالة أخرى وهم في معمعة القتال حاولوا أن يرجعوا مدفعا إلى موضعه وهم تحت وابل من النيران.
وفي المكس كان يوجد ساتر من الرمال سميك تتوارى خلفه جنود المدفعية، ولكن على طول امتداد البطاريات الشرقية لم يكن يوجد إلا ستائر عتيقة من الأحجار في قليل من المواضع، والأنقاض التي تقوضت منها لا بد أن تكون قد أحدثت خسائر جسيمة في الأرواح. ا.ه.
وقال البارون دكيوزل بك
Le Baron De Kusel Bey
وكيل مصلحة الجمارك المصرية الذي كان على السفينة تنجور أمام الإسكندرية في كتابه «ذكريات رجل إنكليزي عن مصر» ص200:
لقد ثبت جنود المدفعية المصرية في مواقفهم أمام نيران المدرعات الإنكليزية الهائلة الفتاكة ثباتا دل على بسالتهم وبطولتهم، وظلوا يلقون القنابل باستمرار فتصيب أهدافها من هذه البوارج - إلى أن قال في هذه الصفحة أيضا - وليست المسألة مسألة ريبة في بطولة الجنود المصرية؛ فلقد قاتلوا مستبسلين، ولكن لم يكن لهم الإلمام التام بسلاحهم ليجنوا من دفاعهم ولو بعض النجاح.