ولا يستطيع الأميرال أن يلازم الصمت حيال هذا العمل العدائي، فقرر أن يطلق النار عند شروق شمس يوم الثلاثاء 11 الجاري.
ولقد أخطرت في هذا المساء القناصل الجنرالية والخديو ودرويش باشا؛ وسأعمل الترتيبات اللازمة لترحيل جميع الرعايا البريطانيين على البواخر في هذا المساء أو غدا صباحا.
ويؤخذ من شهادة الضابط الذي نقل الخبر إلى الأميرال أن المدفعين المذكورين كانا من الطراز القديم؛ أي إنهما لم يكونا من نوع الششخانة، بل كانا من المدافع الملساء التي ليس لقنابلها قوة لإصابة المرمى البعيد حتى تصيب هذه البوارج وتخترق دروعها فتحدث الضرر لهذه السفن. وحصن السلسلة هذا من ناحية أخرى واقع خارج منطقة القتال؛ ولذلك فإنه عندما حشدت سفن الأسطول عصر يوم الضرب لإطلاق قنابلها على حصن قايتباي لم تعر حصن السلسلة أدنى التفات مع أنه صوب إليها بعض القنابل، فذعر الأميرال كان في غير محله.
14
ويقول أحمد شفيق باشا في مذكراته ص163، إن مستر كارترايت أشار على الخديو توفيق أن ينزل هو وأسرته إلى إحدى البوارج الإنجليزية؛ ليكون في مأمن مما عساه أن يصيب سراي رأس التين؛ لأنها عرضة لقذائف المدرعات فأبى. وهذه المشورة لم تدون في الكتاب الأزرق عن سنة 1882م، غير أنه يؤخذ من رسالة برقية مرسلة من مستر كارترايت إلى لورد جرانفيل في 7 يوليه سنة 1882م أن هذا الأمر حدث فعلا. وإليك نص هذه الرسالة:
الإسكندرية في 7 يوليه سنة 1882
أتشرف بإخبار سعادتكم أن سمو الخديو أرسل في طلب سير أوكلاند كلفن
Auckland Colvin
في ضحوة هذا اليوم؛ ليعرض عليه خطة السير التي ينوي سموه اتخاذها في هذه الظروف.
فلقد نوى سموه في الحالة التي يستقر فيها الرأي على الضرب أن يبقى في الديار المصرية. وهو يقول في تعليل ذلك إنه لا يستطيع أن يترك جميع أولئك الذين ظلوا في معيته وأولوه في غضون هذه الفتنة إخلاصهم، كما أنه من جهة أخرى لا يستطيع أن يهجر مصر إذا أغارت عليها دولة أجنبية؛ إذ يقال حينئذ إنه بارحها لينجو بنفسه. أما إذا احتلت الترك مصر وصادف هذا الاحتلال مقاومة، فإن سموه ودرويش باشا يعلمان الجيش عندئذ بأنهما بصفتهما من رعايا السلطان المخلصين لجلالته لا يكونان قد أديا واجبهما إذا عضدا هذه المقاومة، وفي هذه الحالة ينطلقان بأحسن الوسائل الممكنة إلى يخت درويش باشا.
وأعرب سموه عن نيته في الانصراف هو ودرويش باشا إلى أحد القصور القائمة على شاطئ المحمودية إذا كان الضرب من جانب الأسطول الإنجليزي وأنه بقدر الإسراع في إنجاز الضرب يقل الخطر الذي يحيق بشخص الخديو.
وكان سموه أثناء هذه المقابلة رابط الجأش يتكلم بصوت هادئ، واختتم الحديث بتوجيه الرجاء إلى سير أوكلاند أن يبلغ قراره هذا إلى سعادتكم.
ولقد عقدت العزم على أن أخبر درويش باشا أنه في حالة حدوث ضرب تلقي حكومة صاحبة الجلالة البريطانية عليه مسئولية سلامة الخديو الشخصية وأمنه.
ولي الشرف ... إلخ.
الإمضاء
كارترايت
15
وفي اليوم التالي ورد إلى مستر كارترايت من لورد جرانفيل الرد بالبرقية الآتية:
وزارة الخارجية البريطانية في 8 يوليه سنة 1882
تصادق حكومة صاحب الجلالة البريطانية على البلاغ الذي أخبرتمونا عنه ببرقيتكم أمس التي ذكرتم فيها أنكم تنوون عندما تدعو الحالة لضرب الحصون أن تلقوا على عاتق درويش باشا مسئولية أمن الخديو وسلامته.
وأنا لكم ... إلخ.
الإمضاء
جرانفيل
ومن المرجح أن المشورة التي عرضت على الخديو بضيافته على ظهر سفينة حربية إنكليزية كانت لغرض سياسي لا لشيء آخر؛ لأن وجود حكم البلد في إحدى سفنهم يجعل لضربهم صبغة شرعية كما حدث بعد ذلك في حركاتهم العسكرية التي أفضت إلى احتلال البلاد.
وعلى كل حال فإجابة الخديو تشرفه، ولكن مما يؤسف له أنه لم يتبع هذه الخطة معهم إلى النهاية.