ثانياً ـ قولُ السيِّد المسيح لبني إسرائيل بالذات، أي لليهود (اعبدوا اللهَ ربِّي وربّكم). فإن كان "يَهْوَه" هو الله، فقد كان اليهود يعبدونَ يَهْوَه. وإنْ كان يَهْوَه هو الله لوجب أن يعبُدَ المسيحيون يَهْوَه. وهذا لم يحدث. ثمَّ إنَّ المسيحَ يقول لهم (إنَّه من يُشركُ باللهِ فقد حرَّم اللهُ عليه الجنَّة). وفي هذا اتهام لهم بالشركِ وجَّهَهُ السيد المسيح. فهل كانت عبادة يَهْوَه إلى جانب الله (إيل) هي مصدرُ هذا الشرك؟ وعليه وَجَبَ أن نفهم أنَّ اللهَ هو الله وأنَّ يَهْوَه هو يَهْوَه، وأنَّ يَهْوَه ليس الله، وأن عبادة هذا غير عبادة ذاك؟
أسئلة شائكة بطبيعة الحال، ولكنّ القضية تحتاج إلى التقصِّي بتمعُّن والبحث عن مختلف الحيثيات، وعدم الوقوف عند حيثية واحدة.
لا نعتقد بأنَّ قول بعض اليهود أن عزيراً ابن الله (أي عزرا الوراق) هي مصدر اتهام السيِّد المسيح لهم بالشرك، أو أنَّ هذه الواقعة تفسِّر الدوافع القويّة لإرسال السيد المسيح عيسى بن مريم كلمةُ اللهِ مؤيداً بالروح القدس لدعوتهم إلى إيمان جديد، وتعزيز مهمة السيد المسيح بمهمة النبي يحيى (يوحنا المعمدان). ولنلاحظ أنّه كما أنَّ النصارى لم يقولوا بألوهية يَهْوَه، كذلك لم يقل بها الصابئة المندائيون الذين يعتبرون أنفسهم أتباع النبي يحيى. بينما يمكن تفسير دوافع اليهود في اضطهاد النبيِّين بأنَّ وراءها تمسكهم بعبادة يَهْوَه بالذات، ولو أنَّ هذه المسألة لم تطرح في الأناجيل.
يقول تعالى (ولقد آتينا موسى الكتابَ وقفَّينا من بعده الرسلَ وآتينا عيسى بن مريم البيِّناتِ وأيَّدناهُ بروح القدس أفكلما جاءكم رسولٌ بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذَّبتم وفريقاً تقتلون * وقالوا قلوبنا غلفٌ بل لعنهم اللهُ بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون) (البقرة 87-88).