لكنَّ صدفة التاريخ أيضاً. ولعلَّها لم تكن صدفة أبداً، ستقدم لنا الدليلَ مواكباً لفترة مُلكِ سليمان أيضاً. ففي حديث مرفوع إلى ابن عباس، أنَّ الهدهاد ابن شرحبيل رأى شجاعاً أبيض اقتتل مع شجاع أسود، وأغاثه الهدهاد بالماء مرتين، فلم يزل الأبيض حتى قتل الأسود، ثم مضى عن وجهه الهدهاد حتى غاب عنه، ومضى الهدهاد إلى شعب عظيم فاختفى فيه، فبينما هو مستتر بشجر أراك إذ سمع كلاماً فراعه، فسلَّ سيفه. فأقبل إليه نفر جانٍ حسان الوجوه عليهم زيٌّ حسن. فدنوا منه فقالوا: عم صباحاً يا هدهاد. لا بأس عليك. وجلسوا وجلس، فقالوا له: أتدري مَنْ نحن؟ قال: لا. قالوا: نحن من الجن، ولك عندنا يد عظيمة. قال: وما هي؟ قالوا له: هذا الفتى أخونا من أبناءِ ملوكنا (**) هرب له غلام أسود فطلبه فأدركه بين يديك، فكان ما رأيت وفعلت فنظر الهدهاد إلى شاب أبيض أكحل في وجهه آثار خداش. قال له: أنت هو؟ قال: نعم. قالوا له: ما جزاؤك عندنا يا هدهاد إلاَّ أخته نزوجها منك وهي رواحة بنت سكن (***) فزوَّجوه إياها (15) وكان نتاج هذا الزواج بلقيس ملكة سبأ التي تزوَّجها سليمان عليه السلام وفق الرواة، وكان ابنه رحبعام منها، وهو من خلفه في الملك، ومن بعده انقسمت المملكة.
فالزواج بين الإنس والجن ممكن إذن، وهذا ما قاله يَهْوَه لرائيل عن زواج الايلوهيم ببنات الناس، والذي نجمت عنه ذرية هي الشعب الإسرائيلي. فحتى لو سلَّمنا بأنّ هذا حدث قبل طوفان نوح فما الذي يمنع أن يكون قد تكرر في زمن سليمان؟ وهذا رحبعام نتاج زواج مختلط من هذا القبيل.