على كلِّ حال، لم يكن إبليس الجنيّ الوحيد، بل كان واحداً من الجن.
فماذا لدينا أولاً عن قصّة العلاقة قديماً بين الإنس والجن؟ وهل تتفق مع القصّة التي رواها يَهْوَه لرائيل؟.
يقول وهب بن منبَّه إنّ الله سبحانه وتعالى خلق الجنَّة وخلق فيها أجناس الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ثم خلق النار بعد الجنّة بألف عام، فزفرت النار وتغيّظت، فتطاير منها الشرر، فخلق اللهُ من ذلك الشرر إبليس والجان وأسكنهم الجنة يسبحون الله تعالى كما يرون الملائكة يفعلون. ويعبدُ اللهَ إبليسُ مع الملائكة" (10).
ويضيف وهب: إنَّ إبليس والجان كانوا لا يتناسلون في الجنّة، وأنَّ الجان تنافسوا في الجنة، وطغى بعضهم على بعض، وعصوا الله، وسفك بعضهم دم بعض، فعجَّ الملائكة إلى الله بالدعاء (…) فغضب اللهُ على الجان فأوحى إلى جبريل أن أخرج الجان من جواري وطهِّر منهم جنَّتي. فأخرجهم جبريل من الجنة إلى أرضنا هذه، فأسكنهم جزائر البحار وقفار الأرض، وبقي إبليس مع الملائكة يعبد الله. ثم خلق الله آدم عليه السلام لما شاء كيف شاء حيث شاء في سابق علمه المكنون وحكمه النافذ من أديم الأرض (11).
ويقول الهمذاني: "وكانت الجن عمّاراً للأرض ومستخلفين فيها، وسمُّوا الجنّ لأنهم يجتنُّون عن النظر إليهم أي يستترون. ومنه قيل للولد في الرحم جنين، ومنه الجنَّةُ والمجنُّ. ويقال إنَّ الجنَّ جنس من الملائكة لقوله )إلاَّ إبليس( فاستثناء منهم، وقيل ليسوا من الجن وإنما هو استثناء من غير جنسه" (12).
لقد تعاملنا في الماضي مع هذه الحكايات على أنّها أساطير. ولكن كان بوسعنا أيضاً أن نفترض بأنَّ من سمُّوا بالجن ممن عمروا الأرض قبل ظهور الإنسان العاقل هم نوع إنسان نياندرتال. ومما رجَّح من مثل هذا الاستنتاج القول إنَّ شيثاً كان "يدعو الثقلين الجن والإنس" (13) وأن نوحاً "أقام يدعو الثقلين الجن والإنس ألف سنة إلاّ خمسين عاماً" (14).