لقد كان على الدين اليهودي، أو دين ما قبل اليهود إنْ صحّ التعبير، أن يمرّ بمراحل عديدة، وتجارب مروِّعة، قبل أن يبدأ بطرح أفكار تقترب به من التوحيد. ومن ذلك قول إشعياء النبي "يا رب الجنود إله إسرائيل الجالس فوق الكروبيم أنت هو الإله وحدك لكل ممالك الأرض. أنت صنعت السموات والأرض" [إشعياء 16/37]. فلا شك أن هذه الصرخة تمثل صوتاً مختلفاً باتجاه الإقرار بأنّ الله هو "رب العالمين"، لكنه أجلسه فوق الكروبيم داخل الهيكل. ومثل هذا المنطق الجديد الذي يتعامل مع إلهٍ متعالٍ يمكن أن نلمسه بشفافية في المزمور 103، حين يقول المصلِّي:
"الربّ في السموات تبَّت كرسيَّه ومملكته على الكل تسود. باركوا الربّ يا ملائكته المقتدرين قوّة الفاعلين أمرهُ عند سماع صوت كلامه. باركوا الربّ يا جميع جنوده خدَّامه العاملين مرضاته. باركوا الرب يا جميع أعماله في كل مواضع سلطانه. باركي يا نفسي الرب" [مز 103].
ولكن حتى في مثل هذا النص، يبقى من الضروري أن نفهم المقصود بالقول "ومملكته على الكل تسود"، هل هو فهم يماثل الفهم المسيحي والإٍسلامي أم أنّ المقصود هي "مملكة إسرائيل"، مما يفسّر كل أدوار الفساد في الأرض التي يمارسونها حتى الآن في سبيل هذه المملكة.
لكن هذا التطور كان على الورق أكثر مما كان في الواقع، وهذا إشعياء نفسه يقول عنهم "وامتلأت أرضهم فضة وذهباً ولا نهاية لكنوزهم، وامتلأت أرضهم خيلاً ولا نهاية لمركباتهم. وامتلأت أرضهم أوثاناً يسجدون لعمل أيديهم لما صنعته أصابعهم" [إشعياء 7-8/2].
وفي مثل هذا الحال، يبدو مفهوماً أن نراه يصرخ "أين الذي أصعدهم من البحر مع راعي غنمه؟ أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه؟ الذي سيّر ليمين موسى ذراع مجده. الذي شقَّ المياه قدامهم ليصنع لنفسه اسماً أبدياً" [إشعياء 11-12/63].