ومن هنا نفهم أن يَهْوَه ـ في نظرهم ـ كان هو الربّ وهو ملاكُ الربّ أيضاً. وهذا المفهوم لم يأتِ من فراغ. إذ يجب أن نعود إلى قول الربّ لموسى في سفر الخروج عن الملاك الذي يرسله معهم "لأنّ اسمي فيه ". وماداموا يسمُّون الربّ باسم (يَهْوَه)، فلا بُدَّ وأن يكون ملاكه هو (يَهْوَه) أيضاً. وهكذا تكون ظهورات الملاك مراراً وتكراراً، هي ظهورات لـ (يَهْوَه) نفسه، أي ظهورات للربّ. وهذا ما يُفسِّرُ مزاعم أنبيائهم المتكررة أنّهم رأوا الربّ، مع أن الربّ لم يُرِ نفسه لموسى بداية، وقال له "إنّ الإنسان لا يراني ويعيش "، فكيف رآه الأنبياء اللاحقون وعاشوا؟
إنّ هذا المفهوم يتكرر أيضاً في قصّة صموئيل النبي، الذي كانت أمه قد نذرته للكهانة إذا سمع الله دعاءها وحملت به، فأودعته عند الكاهن عالي. فحين يأتي ملاكُ الربّ مراراً لدعوة الصبي صموئيل "فهم عالي أنّ الربّ يدعو الصبي. فقال عالي لصموئيل اذهب اضطجع ويكون إذا دعاك تقول تكلم يا رب لأن عبدك سامع [صموئيل الأول 8-9/3] ويمتثل الصبي لتعليمات الكاهن عالي "فجاء الرب (هنا لم يشأ مدوِّن النص أن يقول ملاك الرب كالمعتاد) ودعا كالمرات الأول صموئيل صموئيل. فقال صموئيل تكلم لأنّ عبدك سامع. فقال الربّ لصموئيل هو ذا أنا فاعل أمراً في إسرائيل كلُّ مَنْ سمع به تطنُّ أذناه" [صموئيل الأول 10-11/3].
ويبدو أنّه لكثرة عدد من ادعوا النبَّوة من بني إسرائيل ظهرت نغمة لدى بعض الأنبياء تنكر الوحي، ومنها قول ارميا النبي "وإذا سألك هذا الشعب أو نبي أو كاهن قائلاً ما وحي الربّ؟ فقل لهم أيّ وحي؟ هكذا تقولون الرجل لصاحبه والرجل لأخيه بماذا أجاب الربّ وماذا تكلّم به الربّ؟ أما وحي الربّ فلا تذكروه بعد لأنّ كلمة كل إنسانٍ تكون وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحيّ ربّ الجنود إلهنا" [ارميا 23-26/23].