لكنَّ المناسبة لم تنتهِ، فقد كان على موسى أن يصعد مرةً أخرى إلى الجبل ليعطيه الربُّ لوحي الحجارة والشريعة والوصيَّة التي كتبها الربُّ بنفسه لتعليمهم. وهكذا كان "ثمَّ أعطى (الربُّ) موسى عند فراغِه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة لوحي حجر مكتوبين بإصبعِ الله" [خر 18/31]. فإما أنَّ موسى لم يكتب جميع أقوال الربّ في البداية أو أنَّ قصّة اللوحينِ المكتوبين بإصبع الله، ليكون لله إصبع إلى جانب الوجه واليدين والقدمين وكل صور التشبيه والتجسيم التي نلتقي بها في التوراة. ويبقى هناك سؤال تقني لا بُدَّ وأن يُطرح: كيف تمت الكتابة بالإصبع؟ ونطرح هذا السؤال ليس فقط لأنّنا نعلم أن اللهَ سبحانه وتعالى هو الذي "علَّمَ بالقلم، علَّمَ الإنسانَ ما لمْ يعلمْ"، ولكن أيضاً لأنَّ تصور الكتابة بالإصبع هو تصوُّر بدائي أقلَّ ما فيه أنَّه يفترض بأنَّ الإنسانَ ـ ولا نقول الخالق عزّ وجلّ ـ لم يكن قد اهتدى بعد إلى صنع القلم، فكان يغمس إصبعه في الحبر المفترض ثم يكتب.
إنَّ هذا الإصرار على منح درجة أعلى من القدسِّية لكل شيء، والادِّعاء بأنَّ الربَّ تواجد مجسَّماً بهذا الشكل أو ذاك ليقود كل شيء بنفسه، دون أن يكتفي بدور لملاكه أو ملائكته أو لنبيِّه، كان لا بُدَّ وأن يقود إلى إسكان الرب أو اسمه داخل تابوت. ومن أمثلة ذلك "ارتحلوا من جبل الربِّ مسيرةَ ثلاثةِ أيامٍ وتابوتُ عهد الربِّ راحل أمامهم مسيرةَ ثلاثةِ أيامٍ يلتمسُ لهم منزلاً. وكانت سحابةُ الربِّ عليهم نهاراً في ارتحالهم من المحلة. وعند ارتحال التابوت كان موسى يقول قم يا رب فلتتبدَّد أعداؤكَ ويهربُ مبغضُوكَ من أمامك. وعند حلوله كان يقول ارجعْ يا ربّ إلى ربوات ألوف إسرائيل" [عدد 33-36/10].